تخطَّ إلى المحتوى

عادت وما كنت بعد التيه أحسبها

غير معروف

٣٨ بيت

المتفرقات

عَادَت، ومَا كُنتُ بَعدَ التِّيهِ أَحسَبُهَا

يَعُودُ مِن رِحلَةِ التَّغيِيِبِ مَوكِبُهَا

عَادَت وأَدمُعُهَا فِي العَينِ تَسبِقُهَا

مِن بَعدِ مَا ضَلَّ فِي الإِبحَارِ مَركَبُهَا

تَمُدُّ بِالصَّفحِ كَفَّيهَا، فَتَجذِبُنِي

والقَلبُ كَادَ مِنَ الأَشوَاقِ يَجذِبُهَا

أَغُضُّ طَرفِي، وفِي عَيْنَيَّ أَسئِلَةٌ

أَمُدُّ أَشطَانََهَا طَوراً وأَسحَبُهَا

فَهَل يَبُوحُ بِمَا فِي الصَّدرِ عَاتِبُهَا

أَم يُضمِرُ السِّرَّ والشَّكوَى مُعَذَّبُهَا؟

يَا بِنتَ جَنبَيَّ: عُدتِ اليَومَ نَادِمَةً

وفِي يَدَيكِ مِنَ الأَطيَابِِ أَطيَبُهَا

وقَد عَلِمتِ بِمَن تَجرِينَ فِي دَمِهِ

بِأَنَّنِي لَو عَصَت نَفسِي أُؤَدُّبُهَا

وأَنَّنِي الرَّجُلُ السَّمحُ الَّذِي شَهِدَت

لَهُ المَوَاقِفُ، والتَّارِيخُ يَكتُبُهَا

أَذُودُ إِمَّا أَبَت إِلاَّ مُنَازَلَتِي

يَدُ الخُطُوبِ، فَأَفرِيهَا وأَغلِبُهَا

كُلُّ الفَضَائِلِ فِي دُنيَايَ أُمهِرُهَا

رُوحِي، وأَسعَى لَهَا سَعياً فَأَخطُبُهَا

وكُلُّ شَمسٍ بِقَولِ الحَقِّ قَد سَطَعَت

أَنَا الشُّرُوقُ لَهَا، والنَّاسُ مَغرِبُهَا

حَاشَا لِرَبِّيَ مِن كِبرٍ ومِن صَلَفٍ

ومِن خِصَالِ لِئَامٍ، لَستُ أَقرَبُهَا

إَنَّ الكِرَامَ إَذَا مَا حَدَّثُوا صَدَقُوا

يَخضَرُّ فِي لُغَةِ الأَبرَارِ مُجدِبُهَا

وقَد عَلِمتِ بِأَنَّ الصَّفحَ مِن شِيَمِي

وأَنَّهُ فِي رِيَاضِ الرُّوحِ أَرطَبُهَا

وقَد صَفَحتُ، وسَامَحتُ الَّتِي شَرَدَت

عَنِّي، وكَانَ مَعَ الدُّنيَا تَغَيُّبُهَا

وكَيفَ لا؟! والبِشَارَاتُ الَّتِي حَمَلَت

يَمِينُهَا، كُنَّ كَالأَعطَارِ تَسكُبُهَا

عَادَت بِعَودَتِهَا الرُّوحُ الَّتِي وُلِدَت

مِن رَحْمِ كَانُونَ، والتَّحرِيرُ كَوكَبُهَا

شَتَّانَ مَا بَينَ أَمسٍ غِيضَ مَنبَعُهَا

فِيهِ، ويَومٍ أَرَى الأَنهَارَ تَصحَبُهَا

مِصرُ الجَدِيدَةُ، وَجهُ النُّورِ وِجهَتُهَا

مِن بَعدِ أَن غَيَّبَ الأَنوَارَ غَيهَبُهَا

مَرَّت ثَلاثُونَ مِن ظُلْمٍ ومِن ظُلَمٍ

فِيهَا الفَسَادُ، ورَبُّ الدَّارِ أَشعَبُهَا

واللاَّئِذُونَ بِهِ مَا بَينَ مُنتَفِعٍ

وبَينَ نَاهِبِ أَموَالٍ يُهَرِّبُهَا

عِصَابَةٌ حَكَمَت بِالبَطشِ تَدعَمُهَا

عِصَابَةٌ، مَذهَبُ التَّضلِيلِ مَذهَبُهَا

الغَدرُ خِنجَرُهَا، والمَكرُ مِئزَرُهَا

والفُجرُ مِنبَرُهَا، والجَورُ مِخلَبُهَا

مِثلُ الذِّئَابِ إِذَا اْصطَادَت فَرِيسَتَها

أَو كَالخَفَافِيشِ، جُنحِ اللَّيلِ مَلعَبُهَا

تُرخِي عَلَى النَّجمِ فِي آَفَاقِهِ حُجُباً

مَنَ الضَّبَابِ، وعَينَ البَدرِ تَعصِبُهَا

وكَم عَلَى فَمِ مَن يَشكُو ظُلامَتَهُ

تُلقِي أَعِنَّتَهَا، والشَّمسَ تَحجُبُهَا

والشَّعبُ مَا بَينَ مَقهُورٍ ومنتَهَبٍ

سِيقَت إِرَادَتُهُ لِلشَّرِّ يَسلُبُهَا

كَم نَكسَةٍ ذَاقَهَا صَاباً، وعَلقَمُهَا

كَأسٌ عَلَى ظَمَأِ الأَيَّامِ يَشرَبُهَا

وكَم حَدَائِقَ كَانَ التِّبرُ غَلَّتَهَا

مِن فِعلِ شِرذِمَةٍ قَد جَفَّ مُعشِبُهَا

وكَم تَوَسَّعَ فِي الإِذلالِ أَضيَقُهُ

وضَاقَ فِي مُقلَةِ الأَحلامِ أَرحَبُهَا

وكَم وكَيفَ، وهَل أُحصِي لَهَا عَدَداً

نَارُ السُّؤَالِ عَلىَ الآهَاتِ تُلهِبُهَا

مِصرُ الفَتِيَّةُ مِن بَعدِ اْنتِفَاضَتِهَا

لَن تَمنَحَ السَّوطَ لِلجَلاّدِ يَضرِبُهَا

مِصرُ الأبِيَّةُ لَن تَبقَى مُقَيَّدَةً

ولَن تُسَلِّمَ لِلفِرعَونِ يَصلُبُهَا

ولَن تَكُونَ سِوَى مِصرَ الَّتِي عَزَفَت

لَحنَ الخُلُودِ، وشَدوُ النِّيلِ يُطرِبُهَا

النَّصرُ غَايَتُهَا والطُّهرُ رَايَتُهَا

والصَّبرُ جَنَّتُهَا، والخَيرُ مَطلَبُهَا

تُزَاحِمُ الشَّمسَ فِي الآفَاقِ هَامَتُهَا

ويَلمَسُ النَّجمَ فِي الأَفلاكِ مَنكَبُهَا

أَقُولُهَا بِلِسَانِ الصِّدقِ مُفتَخِراً

وفِي دَوَاوِينِ أَشعَارِي سَأَكتُبُهَا

مِصرُ الجَمِيلَةُ فِي أَعمَاقِنَا سَطَعَت

ولَيسَ يَمنَعُهَا غَيمٌ ويَحجُبُهَا