وذكرتُ طفولةَ مَنْ يَنتقمُ مِنَ الحيوان ، بِغَيْرِ هَوادَة...
والنفسُ العُدوانيَّةُ فيه تُثيرُ الضِّحْكَة...
صاحبُنا يَذْبَحُ قطًّا ،
أو يقتُل طيرًا، يَنْسِجُ حَبْكَة...
أو يَرمي فوق مياه النهرِ الشَّبَكَة...
يَصطادُ كثيرًا مِنْ أسْمَاك النَّهر...
يرمي الأسماكَ سريعًا ، واحدةً تِلْوَ الأخْرَى...
تبقَى في جَعبته سَمَكة...
يَأخُذها ليُقطِّعَها بالسِّكِّين...
أو يَضربُ كَلبًا يَتعقبُهُ...
يضعُ الأغلالَ بأرجُلِهِ ، ويُمزقُه في الأحشاءِ بشَوْكة...
أو يُوقِدُ نارًا ليُحرِّقَهُ ، ثمَّ يقومُ بدفْنِ الفَحمْ...
ويُكبِّرُ أربعَ مِثْلَ إِمَام الحَيِّ...
أو يَشنُقُه حيًّا بالأحبالِ ، ويَضربُ بالكُرباج الجُثَّة...
أو يَقطعُ مِنْهُ الَّلحْمَ الزائدَ في أعضاءِ الجِسم...
عَجَبًا: كَيفَ يُنظِّمُ هذي الحَبْكَة؟
عجبًا ، عجبًا ، طِفْلٌ يَفعَلُ هَذا؟
عجبًا ، طِفلٌ فِي رقَّتِهِ مِثْلُ الزهرةِ يَفعلُ هذا؟
يجري خلفَ البَطَّةْ ، يَقذفُها بالحجر البَاغِي...
فإذا مَا جُرحِتْ عَالجَهَا ، وإذا ما كُسِرَتْ طبَّبَها...
وإذا سَلِمَتْ مِن ضَرْبَتِه ، نادَى رُفقاءَ جَريمَتهِ...
وزَّعَهُم بجهاتٍ شَتَّى ، أعطاهُم أحْجَارَ الخُطَّة...
وجَرَى خلف البَطَّة...
فإذا مَا مَاتَت غَسَّلَهَا...
ثمَّ غَشَتْهُ التَّقْوى فَوْرًا...
فيُكَفِّنُها ، ويُلَحِّدُهَا...
وإذا كانَ لديهِ ضَحَايَا أُخرَى...
ألقَى البَطَّةَ فوْقَ السِّكَة...
أو أسْكَنَهَا جَوْفَ البِرْكَة...
عجبًا: طِفلٌ مِثْلُ الوردةِ يَفعَلُ هَذا؟
يَمضُغُ عَيْنَ البَطَّةِ مِثْلَ العِلْكَة...
لوْ لمْ أفعلْ هذا ، ما صَدَّقْتُ ، ولو في الرُّؤْيَا...
حتى لو قالوا: يَحْدُثُ هذا في الأحلامِ لقالتْ عينِي كُفُّوا...
هذي حقًّا بِئْسَ الإِفْكَة...
رمضانُ الماضي مَرَّ ، وعيني في آفاق الكَربْ...
وصيامُ بقيةِ شَهْري كانَ مَعَ الأحزانْ
وأتى رَمضانُ القادمُ مِنْ طيَّاتِ الغَيبْ...
لكن واأسَفَى مَا زالَ العَيبْ...
لم تذهبْ آلامي أبدًا ، لكن ذهبَتْ عيني...
ورأيتُ الدنيا: نِصفًا فِي غيَّابَة جُبْ...
أقصِدُ في واحةِ ماءٍ تبكي الدنيا...
والنصْفُ الآخرُ مُحترِقُ الأحشَاءْ...
يا ويحَ العينِ مَضَتْ مِنْ غيْر مَضَاءْ...
والقلبُ الدامعُ رغمَ الأُلفَة هذي يَبكي...
يا ماضِيْ العُمْرِ تمَهَّل ، ارحلْ ، دَعْنِي وحْدي...
دَعْني في الدَّمْعَة وحْدي...
دعني لكروبي وحدي...
إنَّ الرحمَنَ مُعَوِّضُني...
وأنا أطمَعُ في (جَنَّاتٍ عند المولى ، كم فيها أنهار تَجْرِي...)
ولِذَا يَا شِعْرُ فإنِّي أبْذلُ صَبْرِي...
وأسَلِّمُ للمَوْلَى أمْرِي...
ما كُنْتُ أُريدُ خِتامَ قصيدِي هَذا بِالأَحْزَانْ...
لكنِّي دومًا أَصْدُقُ فِي شِعْري...
ومَصيري هذا مِنْ تجربتي ، أَجْرَعُهُ وحْدي...
أحْزانُ الغُربة هذي لحْدي...
مَطبوعٌ فيهَا مُنذُ المَهْدِ...
عفوًا يا عِطْرَ الشِّعرِ فَذَا مِنْ سُهْدِي...
عُذرًا يا عَيْنُ وعفوًا: أنتِ قَضيتِ علَى تَرنيمَةِ عُمْرِي...
قَدرُ المَوْلى لا تلتاعي سوفَ نُعوَّضُ يا آنسَتِي ...
قدرُ اللهِ ، وإنِّي راضٍ ، وأُسلِّمُ أمْرِي...
لكنْ حُزْنٌ داهَمَ قلبي ، ثمَّ عذابٌ حَطَّمَ قَلَمِي...
غلَبَ الحُزْنُ مِدَادَ القلمِ...
رفعَ الكربُ لِواءً مِثْلَ العَلَمِ...
والناسُ سرابٌ حوْلي...
والشعرُ يُعاني مِنِّي...
والأوزانُ تُعاني مِنْ أفكارٍ تَذْبَحُ قلمي...
يا تيَّارَ الوَهْم ، ويا ميعادَ شُجُونِي...
هذا قدَرَي ، مِمَّا كسبَتْ يدُ مَحْزُونٍ في دنيا الخَلقْ...
يا هذا الشِّعْرُ الحُرُّ ، إليْكَ وَداعِي...
قد كانت هذي أولَّ مَرَّة...
وأكررُ ثانية: هذي كانتْ أولَ مَرَّة...
وأراهَا آخرَ مَرَّة...
بَرئتْ مِنْكَ دواتِي الخَجْلَى
بَرئتْ مِنكَ يَرَاعَةُ شِعْرِي...
برئتْ مِنْكَ شُمُوعُ الأَملِ الدامع عِنْدَ بُزوغ الفَجْرِ...
برئت مِن أوزانكَ هذي إيقاعاتي وقتَ السَحَرِ...
برئت منكَ شَكاتي النشوَى عند العَصْرِ...
آخِرُ يومٍ أكتبُ فيه الشِّعْرَ الحُرْ...
وكذلك آخرُ دَمْعٍ أبذُلُهُ بالشِّعرِ الحُرِ...
ودمي لنْ أكتبَهُ صدقًا بالشِّعر الحرِ...
إنِّ الشِّعرَ الحقَ بَريءٌ مِنْ لاشِعْرِي هذا...
عُذرًا ، يا عنترة الشِّعرِ ، ويا مُتنبي...
فالعينُ الحَرَّى تلكَ رِدَائِي...
لا تسألْنِي يا عنترةَ الشعرِ هُنا عَنْ ذَنْبي...
وأعودُ إلى الأشعارِ أُكرِّرُ أسَفِي ، وكذاكَ أُكرِّرُ عُذْري...
وخِتامًا يا شعرُ إليكَ شَكَاتِي ، وتَحِيَّاتِي...
صَدِّقْني ، كانتْ هَذي يومًا زَلَّة...
لنْ يُصْبِحَ شِعْرِي مُثْلَة...
لنْ أسمحَ أبدًا بكتابةِ شِعْرِ الذِّلَّة...
لنْ أتمادَى في سِرداب الشِّعْر الحُر...
وسَوْفَ أُطِلُّ على نافذةِ الشِّعْرِ العَرِبي...
وسأحْيَا أُنْشِدُ شِعْرَ العَرَبِ... مهما كاد قساة القلب ومنعوا شعري...
وحفيدٌ من أحفادي سيغني شعري...
وسينشره في طبعات شتى...
ويحققه وينقحه ويبين للناس المعنى...
وسيشرح كل غوامضه...
وأنا منتظرٌ في قبري...
وأقدِّم للجهبذ شكري...
أني لم أستصحب بعد وفاتي شعري...
لم يدفن في لحدي شعري...
هذا يكفيني يا قومي...
وإلى اللقيا يوم النشر...