سألتُ أبا العباس عن سببِ الهمسِ
بأشعارِ سَقْطِ الزَّنْدِ والسِّرِّ في الهَجْسِ
أجلْ، لِرهين المحبسَيْن أبي العلا
عداءٌ لتزويرِ المظاهرِ باللَّبْس
لهذا غضضْتُ الصوتَ عند تِلاوتي
لأشعارِه بين الوداعةِ والكَيْس
وردَّدتُ أنفاسَ الحكيم بنغمةٍ
كترجيعِهِ أوزانَها هادِئَ النَّفْس
كما ارتعشَ النِّبْراس في قبضة الصَّبا
فيهدأُ ما هبَّتْ ويومضُ في خَلْس
يئِنُّ قريحَ النفس والكونُ هاجعٌ
كمُعوِلةٍ ثكلَى تئنُّ من البُؤْس
تبخَّرتِ الآلام دمعًا فصاغَه
قوافيَ في أوزانِها رنَّةُ اليأس
وكانت حياةُ الشّيخ كالليل سُدْفةً
تنكَّرَ فيها نجمُه عن رُؤَى الحِسّ
فلم يرَ في أحلامِ يقظتِه سوى
خيالاتِ أشباحٍ مُقنَّعةِ الرأس
وكم راعَه وحشُ الحضارةِ جاثمًا
على صدرِ عذراءِ الفضيلةِ للفَرْس
وضاق بمن في الأرض فاكتحلَ العمَى
لِئلاّ يرى المأساةَ في مسرحِ الرِّجْس
فما النّاسُ إلا كالضّواري طبائعًا
ولكنهم في منظرِ العينِ كالإنس
إذا ما ارتقَوا أعلى المنابرِ خالَهم
قساوسةً في سِحْرِ «سحبانَ» أو «قُسّ»