بَغْدادُ مَهْلاً إِنْ نَدَبْتِ غِيابي
أَنَا مِنْ لِحاظِكِ سالَ دَمْعُ إِيابي
مُذْ صِرْتِ أَنْتِ الْجُرْحَ يَنْزِفُ لَوْعَتي
ما رَدَّني يَوماً إِليكِ عِتابي
مُذْ صارَ في قَلْبي غَرامُكِ عَنْدلاً
أَو نَسْمَةً تَغْفو عَلى أَهْدابي
مُذْ صارَتِ الأَشْعارُ تَعْزُفُ في اللِّقا
تَرْنيمَةً تُذْكي سَعيرَ عَذابي
لا تَمْسَحي حُزْني لِأَنَّكِ لاعِجي
بَلْ دَمْعَةٌ مَلَأَتْ كُؤوسَ شَرابي
بَغْدادُ جِئْتُ وَفي هَواكِ أَلَمَّ بِي
جُرْحٌ يُواريهِ تُرابُ ثِيابي
وَغَفا عَلى خَدَّيكِ كَأْسُ مُدامَتي
فَتَلاثَما وَسَقى لَماكِ رُضابي
أَنَا سِنْدِبادُ سَفينَةٍ لا تَهْتَدي
وَالْبَحْرُ قَدْ أَعْشاهُ بَرْقُ سَحابِ
فَوَجَدْتُ نَجْمَكِ يَنْجَلي مُتَمَلْمِلاً
وَيُشيرُ لِي لا تَمْشِ خَلْفَ سَرابِ
إِنْ أَشْرَقَ الْحَدَثانِ أَنْتِ ضِياهُما
فَالْبَدْرُ أَنْتِ وَأَنْتِ شَمْسُ هِضابي
بَغْدادُ نَهْرُكِ وَالنَّخيلُ خَمائِلي
ضَفَتاهُ تُنْدي دَهْشَتي وُعُجابي
فَنَظَمْتُ في عَينَيكِ أَلفَ قَصيدَةٍ
وَنَسَخْتُ مِنْ سَحْرَيكِ أَلْفَ كِتابِ
ما رَفْرَفَتْ مَعَ وَرْدَةٍ عُصْفورَةٌ
إلّا هَوى طَيرٌ عَلى الْأَعْنابِ
في كُلِّ عُنْقودٍ يُفَتِّشُ في الْجَنى
مِنْقارُهُ عَنْ سُكْرَةِ الْأَنْخابِ
بَغْدادُ أَضْواني عَليلُ هَوائِها
وَنَميرُها أَذْوى زُهورَ شَبابي
أَجْلَيتُ مِنْ عِلْمِ الْجَمالِ مَفاتِناً
وَبَهاؤُها في الْحُسْنِ فاقَ حِسابي
وَعَلى نَضارَتِها تَكالَبَتِ الْعِدى
حَسَداً مِنَ الْأَغْرابِ وَالْأَعْرابِ
إِنْ يَخْطِفُ التَّكْفيرُ فيها خَطْفَةً
يَتْبَعْنَهُ مِنْ ثاقِباتِ شِهابِ
وَتَظِلُّ بَغْدادُ الْحَضارَةِ مَوئِلاً
لِلْعِلْمِ وَالْأَخْلاقِ وَالْآدابِ
بَغْدادُ في كُلِّ الْعُصورِ أَميرَتي
وَحَبيبَتي في أَوبَتي وَذِهابي