عَفَتِ الدّيارُ و فارَقَ الأَحْبابُ
و اغرَوْرَقَتْ بِدُموعِها الأَهْدابُ
و نَأَتْ ظِباءُ الحَيِّ وانقَطَعَ الهَوى
فَمَلاعِبٌ مَهجورَةٌ و قِبابُ
دِمَنٌ كأَشْلاءٍ مُمَزَّقةٍ على
مَرأَى العيونِ و بُومَةٌ و غُرابُ
و الأَرضُ خاشِعَةٌ يُخامِرُها البِلى
والأُفْقُ مُكْتَئِبٌ عَلَيهِ نِقابُ
و مَرَرْتُ في عَرَصاتِها مُتَسائِلاً
و الرّيحُ تَعْوي و الطُّلُولُ ضَبابُ
فَارْتاعَتِ الأَنْواءُ مِنْ فَرطِ الأَسى
و جَرَتْ مَدامِعُهُنَّ فَهْيَ سَحابُ!
و مِنَ المَصائِبِ أَنْ تُسائِلَ دِمْنَةً
و مِنَ العَجائِبِ أَنْ يَكونَ جَوابُ!
أَنَّى اتَّجَهتُ فَذِكرياتٌ جَمَّةٌ
أَنَّى نَظَرتُ فَلَوْعَةٌ وعَذابُ!
يا لَيتَ أَنَّ حُشاشَتي دَرَسَتْ هُنا
و انْدَسَّ في هذا التُّرابِ تُرابُ!
وأَشَدُّ مِنَ وَقْعِ الحِمامِ على الفَتى
هَجْرٌ طَويلٌ ما لَهُ أَسْبابُ!
يَنْداحُ حتى لا إِيابَ و رُبَّما
يَقضي بِهِ المُشْتاقُ و هْوَ شَبابُ!
يا راحِلينَ أَما لَكُمْ مِنْ عَوْدةٍ
تَرتاحُ يَوماً عِندَها الأَعْصابُ؟
إِنَّ الذي خَلَّفتُمُوهُ وَراءَكُمْ
فَتَكَتْ بِهِ الأَوْجاعُ والأَوْصابُ
شابَتْ مَفارِقُهُ و أَصبَحَ عِبْرةً
و تَنازَعَتْهُ ثَعالِبٌ و ذِئابُ!
و تَمزَّقَتْ أَوْصالُهُ شَوقاً لَكُمْ
و تَناقَلَتْ أَشْعارَهُ الأَعْرابُ
لِمَ لا تَلينُ قُلُوبُكُمْ؟ و لَرُبَّما
لانَ الحَديدُ و حَنَّتِ الأَخْشابُ!
إِنّي أُنَزِّهُ حُبَّكُمْ عَنْ سَلْوَتي
و فِداكُمُ العُذَّالُ و الأَغْرابُ
إِنّي لَأُمْسِكُ مُهجَتي لِلقائِكُمْ
و أُعَلِّلُ الأَنفاسَ و هْيَ سَرابُ!
إِنْ شِئتُمُ أَنْ تَرحَمُوني فارحَمُوا
أَوْ لا فَفيكُمْ حِكمَةٌ و صَوابُ
و أَنا على الحالَيْنِ راضٍ بالذي
تَرضَوْنَهُ ما لي عَلَيهِ عِتابُ
فَلْتَغفِرُوا جَزَعي فما لي غَيرَكُمْ
لا الأَهلُ أَهلٌ لا الصِّحابُ صِحابُ
سُبحانَ خالِقِكُمْ فُتِنتُ بِحُبِّكمْ
و هُوَ القَديرُ القاهِرُ الغَلّابُ