أَلا مَنْ لِعَيْنٍ لا تَرى قُلَلَ الْحِمَى
وَلا جَبَلَ الأَوْشالِ إلّا اسْتَهَلَّتِ
أَلا مَنْ لِعَيْنٍ ما تَرى قُلَلَ الْحِمَى
وَلا أبْرَقَ الظَّمْآنِ إلّا اسْتَهَلَّتِ
وَلَا النِّيْرَ إِلَّا أَسْبَلَتْ وَكَأَنَّها
عَلَى رَمَدٍ بَاتَتْ عَلَيْهِ وَظَلَّتِ
لَجُوجٍ إِذا لَجَّتْ ، بَكِيٍّ إِذا بَكَتْ
بَكَتْ فَأَدَقَّتْ في الْبُكَا وَأَجَلَّتِ
كَمَا هَتَنَتْ طَرْفَاءُ نَاشَتْ غُصُونُهَا
جَنُوبٌ وَقَدْ كَانَتْ مِنَ الْلَيْلِ طَلَّتِ
أَلا قَاتَلَ اللهُ الحِمَى مِنْ مَحَلَّةٍ
وَقَاتَلَ دُنْيَانَا بِها كَيْفَ وَلَّتِ
غَنِيْنَا زَمَانًا بِالْحِمَى ثُمَّ أَصْبَحَتْ
عِرَاصُ الْحِمَى مِنْ أَهْلِهَا قَدْ تَخَلَّتِ
وَنادى المُنَادِي بالفِرَاقِ فَقَوَّضُوا
بُيُوتًا تُرَى أَطْنَابُها حَيْثُ شُدَّتِ
شَدَدْتُ بِثَوْبِي حَشْوَةً ضَبَثْتُ بِها
يَدُ الشَّوْقِ يَوْمَ الْبَيْنِ حِيْنَ احْزَأَلَّتِ
وقَلْتُ لأَصْحَابي غَدَاةَ فِرَاقِها
وَدِدْتُ الْبُحُورَ العامَ بِالناس طَمَّتِ
فَتَنْقَطِعُ الدُّنيا الَّتي أَصْبَحَتْ بِهِمْ
كَمِثْلِ مُصاباتٍ عَلى النَّاسِ عَمَّتِ
وَلَكِنَّما الدُّنيا كَفَيْءِ غَمَامَةٍ
أَظَلَّتْ بِغَيْمٍ ساعَةً واضْمَحَلَّتِ
أَلا قَاتَلَ اللهُ الْحَامَةَ غُدْوَةً
عَلَى الفَرْعِ ماذا هَيَّجَتْ حِينَ غَنَّتِ
تَغَنَّتْ غِناءً أَعْجَميًّا فَهَيَّجَتْ
جَوايَ الذي كانَتْ ضُلوعِي أَجَنَّتِ
نَظَرْتُ بِصَحْراءِ الْبَرِيقَينِ نَظْرَةً
حِجَازِيَّةً لَو جُنَّ طَرْفٌ لَجُنَّتِ
أَقُولُ لِعُثْمانَ بنَ وَهْبٍ وَقَدْ رَأَى
سُحُوقِيْ جَرَتْ فيها دُمُوعي فَبَلَّتِ
أَلِكْنِي إِلى طَيَّا ، ألِكْنِيْ لِحَاجَةٍ
مِنَ الْحاَجِ قَدْ هَمَّتْ بِنَفْسي وَهَمَّتِ
بِآيَةِ ما سَارَتْ ، فَلَمَّا تَمَكَّنَتْ
حَبائِلُها مِنْ شُعْبَةِ القَلْبِ حَلَّتِ
وَقالتْ: حَلَلْنا وادِيًا ذا طُرَيْفَةٍ
وكانَتْ مَطايانا مِنَ السَّيْرِ كَلَّتِ
فَحَلَّتْ مَحَلًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ قَبْلَها
وَهانَتْ مَرَاقِيهِ لِطَيَّا وَذَلَّتِ
خَلِيلَيَّ في طَيَّا أَقِلَّا مَلَامَتِي
فَقَدْ بَخِلَتْ طَيَّا عَلَيْنا ، وَضَنَّتِ
لَعَمْرِي ، لئِنْ أَحْبَبْتُ طَيَّا ، وآثَرَتْ
عَلَيَّ الْعِدَا ما سُنَّةَ العَدْلِ سَنَّتِ
أَظَلُّ أُمَنِّيْهَا الفُؤَادَ سَفَاهَةً
إِذَا ما انْطَوَتْ نَفْسي عَلى اليَأْسِ مَلَّتِ
فَوَجْدِي بِطَيَّا وَجْدَ أَشْمَطَ راعَهُ
بِوَاحِدِهِ دَاعِي المَنايا أَلَمَّتِ
وَوَجْدِي بِطَيَّا وَجْدَ بِكْرٍ غَريرَةٍ
عَلَى والدَيْها فَارَقَاها فَجُنَّتِ
ووجْدي بِطَيَّا وَجْدَ هَيْمَاءَ حُلِّئتْ
عَنِ الماءِ كانَتْ مُنْذُ خَمْسِينِ ضَلَّتِ
إِذَا سَافَتِ الأعْطانَ ، أَوْ شَمَّتِ الثَّرى
رَمَاها وَلِيُّ الْماءِ عَنْهُ ، فَوَلَّتِ
وَإِنْ أَشْرَفَتْ مِنْ آكُمِ الْمَاءِ مَيْفَعًا
لَوَتْ رِجْلَها الْيُسْرى بِالأُخْرى فَحَنَّتِ
فَحَنَّتْ حَنِينًا يُطْرِبُ الصَّبَّ ذا الْهَوى
وَقَدْ نَهِلَتْ مِنْهُ بِيَأْسٍ وَعَلَّتِ
وَلا وَجْدُ بِكْرٍ حُرَّةٍ أَرْحَبِيَّةٍ
تَرُوْدُ حَوَاليْ طِفْلِها قَدْ أَتَمَّتِ
أُتِيْحَ لَها فِيْما تَرُوحُ وَتَغْتَدي
خُشارِمُ مِنْها رُعْبُها فاشْمَعَلَّتِ
وَجاءتْ مُفَجَّاةً تَرى فَرْثَ طِفْلِها
بِسِرْحانِهِ أَظْفارُها قَدْ تَدَمَّتِ
تَهُزُّ مِنَ الْوَجْدِ الْخَصيلَ ، وَرَاعَها
صُوَيْتٌ خَفِيٌّ خَلْفَها فَاقْشَعَرَّتِ
فَما وَجَدَتْ مِنْ طَفْلِها غَيْرَ شِلْوِهِ
شَمَاطِيطَ لَمْ تَقْنَعْ بِها حَيْثُ شَمَّتِ
فَظَلَّتْ تُراعي شِلْوَها مُسْتَحِنَّةً
إِذا سَلِيَتْ رَجْعَ الْحَنينِ اسْتَهَلَّتِ
وَلا أُمُّ أَحْوى شادِنٍ عَطَفَتْ لَهُ
قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، أَوْ حِينَ ذَرَّتِ
فَلَمَّا سَقَتْهُ الدَّرَّ أَحْجَمَ قائِمًا
إِلَيْها قَليلًا ، ثُمَّ وَلَّى وَوَلَّتِ
إلى مَرْتَعٍ قَدْ عَوَّدَتْهُ وَمَهْمَلٍ
سَليلٍ ، فَظَلَّتْ يَوْمَها حِينَ ظَلَّتِ
فَلَمَّا دَنا الإِظْلامُ أَدْرَكَ سَمْعُها
صُوَيْتًا خَفِيًّا رَاعَها فَاحْزَأَلَّتِ
تَمارَتْ عَلى جَرْسٍ ، فَنَصَّتْ بِجِيدِها
وَكانَتْ عَلى طُولِ الْحِلاءِ أَدَلَّتِ
وَدارَتْ بِأَدْنى عَهْدِهِ ، ثُمَّ راجَعَتْ
أَماقِيَّ ثَكْلى ، ما تَجِدْ ما أَضَلَّتِ
وَلا وَجْدُ أَعْرابِيَّةٍ قَذَفَتْ بِها
صُروفُ النَّوى مِنْ حَيْثُ لَمْ تَكُ ظَنَّتِ
يَشُدُّ عَلَيْها البابَ أَحْمَرُ لازِمٌ
عَلَيْها زُقاقَيْ قَرْيَةٍ قَدْ أَبَنَّتِ
تَمَنَّتْ أَحَالِيبَ اللِقاحِ وَضَيْعَةً
بِنَجْدٍ ، فَلَمْ يُقْدَرْ لَها مَاتَمَنَّتِ
إِذَا ذَكَرَتْ ماءَ الْغَظاةِ وَ طِيْبَهُ
وَبَرْدَ الْحَصَا مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ أَرَنَّتِ
بِأَكْبَرَ مِنْ وَجْدٍ بِطَيَّا وَجِدْتُهُ
غَداةَ ارْتَحَلْنا غُدْوَةً وَاطْمَأَنَّتِ
لَها فَخِذا بُخْتِيَّةٍ بَخْتَرِيَّةٍ
وساقٌ إذا قامَتْ عَلَيْها اتْمَهَلَّتِ
وَخَصْرَانِ دَقَّا في اعْتِدَالٍ ، وَمَتْنَةٌ
كمَتْنَةِ مَصْقُولٍ مِنَ الهِنْدِ سُلَّتِ
وَعَيْنًا أَحَمِّ الْمِدْرَيَيْنِ وَمَضْحَكٌ
إِذا ما جَرَتْ فيهِ الْمَساوِيكُ زَلَّتِ
وَداجٍ عَلى اللَّبَّاتِ وَحْفٌ كَأَنَّهُ
عَناقِيدُ جُونٌ مِنْ كُرُومٍ تَدَلَّتِ
فَإِنْ يَكُ هذا عَهْدُ طَيَّا وَأَهْلِها
فَهذا الّذي كُنَّا ظَنَنَّا وَظَنَّتِ
وَكانَتْ رِياحٌ تُخْبِرُ الْحاجَ بَيْنَنا
فَقَدْ عَمِيَتْ أَرْوَاحُ طَيَّا وَصَمَّتِ
خَلِيلَيَّ ، في طَيَّا أَعِينا أَخاكُما
فَقَدْ بَخِلَتْ طَيَّا عَلَيْنا وضَنَّتِ
قَطَعْتُ بِطَيَّا الْهَمَّ والْفَقْرَ والْعَنَى
وَطَيَّا مُنى نَفْسي إِذا ما تَمَنَّتِ
وَطَيَّا أَرُوجُ الْجَيْبِ ، مَهْضومَةُ الْحَشا
كَمُزْنَةِ صَيْفٍ هَجَّرَتْ فاسْتَهَلَّتِ
إذا جَلَسَتْ بَيْنَ الْغَواني عَشِيَّةً
عَلى أَيِّ حالٍ : عاطِلًا أوْ تَحَلَّتِ
سَمَتْ نَحْوَها الأبصارُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ
بَدِيًّا ، وَعَادَتْ نَحْوَها ، فَتَثَتنَّتِ
خَلِيلَيَّ هذي زَفْرَةُ الْيَوْمِ قَدْ مَضَتْ
فَمَنْ لِغَدٍ مِنْ زَفْرَةٍ قَدْ أَطَلَّتِ
وَمِنْ زَفَرَاتٍ لَوْ قَصَدْنَ قَتَلْنَنِي
تَقُضُّ الَّتي تَبْقَى الَّتِي قَدْ تَوَلَّتِ