أُحِلْتُ إلى المعاشِ بِحُكْم سِنِّي
وأَقصَتني اللوائِحُ رَغم أنِّي
فَتِيُّ القلبِ ذو عَزمٍ وحَزمٍ
بِحمدِ اللهِ لَم أَشعُر بوَهْنِ
وماذا تأخذُ الأيامُ مِنّا
إذا عِشنا بلا حَسدٍ ومَنِّ؟
وماذا تأخذُ الأيام مِنّا
إذا عِشنا بلا كَذِبٍ ومَيْن؟
وما أَرهفتُ قلبي في حَياتي
بِغِلٍّ أو بحِقْدٍ أو بضِغْن
فإن مالَ الصديقُ دَنوتُ مِنه
ولو قَلَبَ الفَتى ظَهرَ المجَنِّ
وإن جَهِل الجَهولُ عَليَّ يومًا
وبالغ في التَّعَدّي والتَّجَنّي
وثار عَليَّ بُهتانًا وظُلمًا
وأَسرفَ في حَماقَتِه تَجِدْني
خَفَضتُ له الجَناحَ بغيرِ ذُلٍّ
مَلكتُ عَواطِفي وسَدَدتُ أُذني
وقابلتُ الإساءةَ بابتسامٍ
وذا خُلُقٌ أراه لم يَعِبْني
أُقابِل جَهلَه بجميلِ حِلمي
فأقهَرُه بأسلوبِ ابنِ مَعْن
وأَنسَى بَعد حينٍ مَن أساؤوا
فلم تعلَقْ إساءتُهم بذهني
وما دام التسامُح من صِفاتي
فماذا تأخذ الأيامُ مني؟
وزُهدي في الحياة أراح نَفسي
وطمأنَ خاطِري وأقرَّ عَيني
فلم أُشغَل بمالٍ أقتنيه
ولم أُفتَن بتِبرٍ أو لُجين
وقد أسعى لكسبٍ من حَلالٍ
ولم أندَم على ما لم يُصِبْني
وبعضُ الناس يطلبُه بعُنفٍ
ويُفني العُمرَ في هَمٍّ وحُزن
ويظلِم نفسَه دنيا وأُخرى
بما يأتيه من ظُلمٍ وغَبن
ويخرج ذلك المسكينُ منها
بثوبٍ واحدٍ وجرامِ قُطن
يَبيتُ مُؤرَّقًا وأبيتُ خِلوًا
فذا شأنُ الحريصِ وذاك شَأني
فلم أعبأ بعُسْرٍ أو بيُسْرٍ
رغيفُ العيشِ في الحالَين يُغني
لُقيماتٌ يُقِمْنَ الأودَ تَكفي
فلم يأكُل غَنيٌّ ألفَ طِنِّ
ويَكفيني الرغيفُ بلا إِدامٍ
ويُرضيني الطبيخُ بغيرِ سَمن
وإن فُقدَ الطبيخُ فلا أُبالي
وإن عزَّ الرغيفُ عصبتُ بَطني
وقلتُ العسرُ يعقبُه يَسارٌ
كوعد اللهِ يا نفسُ اطمئني
وأدعو اللهَ ربي في ابتهالٍ
لغيركَ يا إلهي لا تَكِلْني
وأقصدُ وجهَ ربي ليس إلا
فيأتي الخيرُ مِدرارًا كَدَجْن
وما دام التعفّفُ من صِفاتي
فماذا تأخذُ الأيام مِنِّي؟