بَيني وَبَينكَ ما بيني وَبينَ دَمي
منكَ القوافي ومنّي شَهْقةُ القلمِ
لمْ أحذرِ الخطوَ دَربي وَهيَ مُنهَكَةٌ
تسيرُ بي حَيثما سَارَتْ بها قدمي
وَالشِّعرُ خيلٌ عَنيدَاتٌ لواجمُها
يَقدَحَنَ بالصّخرِ قدحَ الضَوْءِ بالظُلَمِ
إنِّي عَلى قلقي أحكمتُ ملجمَها
لكنْ مِنَ الصعبِ شدَّ الرّيح باللّجُمِ
وَأنْتَ أدرَى بمَا في الشِّعرِ مِن ألمٍ
وَمَا مَلكنا بهِ شيئاً سِوَى الألمِ
كأنَّ أثوابَنا في كُلِّ مُضطَرَمٍ
مُهَدَّلاتٌ على أضلاعِ مُضطرِمِ
وَناقِمَاتٌ دِمَانا كُلّمَا رَكَنَتْ
لِهَدأةٍ أنكَأتهَا فُطرَةُ النِّقمِ
وَكَمْ حُسِدنا على أوجَاعِنا وَعَلى
دُمُوعِنا وعلى تِهطالِها النّهِمِ
لا نَتَّقي حَاسِدينا بل نُحرِّضُهُمْ
فالجَمرُ يُطفأُ لولا فورةُ الضَّرَمِ
إنْ كَانَ لي وَطنٌ فارقتُ دَمعَتَهُ
فساكنٌ أعيني حُلْماً بلا حُلُمِ
وإنْ نَأيتُ وفي نأي الغريبِ أسىً
فإنَّني سَعفةٌ في نَخلِهِ السَقِمِ
وَموجَةٌ مِن مُويجَاتٍ بدَجلتِهِ
أوْ هَدأةٌ مُرَّةٌ أوْ لعثَمَاتٌ فمِ
إنْ كُنتُ غادَرتُهُ بالجُرح ِمُنْفردَاً
فقدْ تركتُ بهِ حَشدي ومُزدَحَمي
عَدَّ الرَّصَاصَاتِ لي صَوتٌ بهِ وصَدَىً
والمَرءُ ماذا سوى مَا اعتَادَ من هِمَمِ
وَكَانَ كُلّ عَزَائِي في مُغَادَرَتي
لأرضهِ أنني مَا قلتُ وَاندَمي
إنْ صَارَ شِعري اتهاماً عندَ سَامعهِ
فأضعَفُ الشِّعرِ أنآهُ عَن التُهَمِ
أنا العِرَاقِيُ مُنْذُ الخَلْق فوْقَ يَدِي
نَعشِي وَبَيْنَ ضُلوعي رعشَةُ الرِّمَمِ
مِن أينَ أبدأ والأحمالُ مُثقلةٌ
وَبَينَ خَاصِرَتي دهرٌ من العدَمِ
مِن دَجْلَةٍ أمْ مِنَ الدَّمع المُكابرِ أمْ
مِنَ الشموعِ على أمْواجِها السُدُمِ
أمْ مِن عُيونِ المهَا مرَّتْ على خجلٍ
مَا بَينَ جسرِ الهَوَى والأدْمُعِ السّجُمِ
أمْ من كُؤوس النّؤاسيِّ التي انكَسَرَتْ
من بعدِ مَا اصْطدَمَتْ في ألفِ مُصْطدَمِ
أمْ من نُعَاسِ الهوى في ألفِ ليلتهِ
ألقى على شهَريَارٍ سَطْوَةَ الهَرَمِ
مَا عادَ لابْن زُرَيقٍ في الهَوى أمَلٌ
ولا لزريابَ سُلطانٌ على النَّغَمِ
وَلمْ تَعُدْ هَالةُ الدّنيا سوى جَدَثٍ
من الدموعِ على أكتافِ مُبتسِمِ
ولمْ يَعُدْ للأمَاني أيّ مُبتدَأٍ
ولمْ يَعُدْ للمَنايا أيّ مُخْتَتَمِ
قدْ(حَرَّرونا) وصَارواَ السِّجْنَ داخِلَنا
حتى غدَا مَوتُنا شيئاً من النِّعَمِ
لحومُنا مُضغةً صارتْ لمَاضغِها
أمَّا الدِّماءُ فمَلهاةٌ لِكُلِّ ظمي
إنْ كانَ للغنمِ الحَيرى بوجهتِهَا
مليونُ راع فلا تَعْتِبْ على الغنمِ
أوْصَيتُ شِعْري هُدُوءً عِندَ سَامِعِهِ
وقلتُ يَكْفيكَ ثديُ النَّار فانفطِمِ
يَبدو لهُ وَلعٌ فيمَا يُحَاذِرُهُ
وَذاكَ دَأبُ العِرَاقيين في الألمِ
إنْ كانَ لي وطنٌ بَرَّرتُ قسوتَهُ
أضاعَني في مَنايا مَوجهِ العَرمِ
فلي هُنا وطنٌ مَا هَانَ نادِبُهُ
ومَا انحَنَتْ لهُ أعناقٌ ولمْ يُضَمِ
فلْتَعْذِرَنِّي على ما فيِّ مِنْ وَجَعٍ
لِمِثلِكَ العُذرُ طبْعٌ فيْ ذوي الكَرَمِ