أَتَشْقىٰ لِما تَلْقىٰ ومِنهُ تُكابدُ؟
وتضمأُ عِند الماءِ والماءُ بارِدُ
وتَعطشُ صَدياناً كَمَن هوَّ مُصْحِرٌ
بأرضِ فَلاةٍ للسرابِ يُطاردُ
بأرضِ فلاةٍ قَد خَلَتْ مِن ذِئابِها
ومِن وَحشها والجِنُّ فيها تُعَربِدُ
كأنَّ ظَلامَ الليلِ فِيها مؤبَّدُ
ونَجماتهُ لا نورَ فيهنَّ خُمَّدُ
فذا حالُ قَلبي في الفراقِ وإنّهُ
لَأشقىٰ قلوبِ العالمينَ وأنكدُ
إذا انزاحَ هٰذا الليلُ تنزاحُ شِدّتي
ويرتاحُ قَلبي مِن عَناهُ ويُسعَدُ
وكيفَ يُزاحُ الهَمُّ عَنّي وإنّني
كئيبٌ لأجلِ الرافدينِ مُسَهّدُ
عراقٌ بِهِ الماضي يُخاطبُ حاضِراً:
متىٰ كان فيّ الأرذلونَ تُسَوَّدُ؟
عضاريطُ صارتْ عِند شَعبِكَ قادةً
أذلاءُ لٰكن عِند شَعبِكَ تُعْبَدُ
فذاكَ الذي إن سارَ سارتْ وراءهُ
جموعٌ بهِ حَفَّت كأنّهُ فَرقَدُ
وذاكَ الذي للّؤمِ فيهِ مَزارعٌ
من اللؤمِ، لٰكن في المحافلِ يُحمَدُ
وذاكَ مليءٌ بالمخازي ومُنتِنٌ
ولٰكنّه إن مَرَّ قيلَ "مُجاهدُ"
وذاكَ الذي عِند الفقيرِ فصارمٌ
يُقطِعُ أشلاءَ الفقيرِ، مُهَنَّدُ
ولٰكنّه عِند الغنيّ فخاضعٌ
يُقَبِلُ منهُ الرِجلَ حِيناً ويَسجُدُ
يَرَونَ مقامَ الناسِ ما قد تَكَنَّزوا
كأنّ الذي يَحوي الثراءَ سَيَخْلَدُ
وماينفَعُ المالُ الكثيرُ إذا أتى ال
حِمامُ، فهل ينجي الغِنىٰ أو يُساعدُ؟
وماسادَ أُولائي لِفكرٍ لَديهِمُ
عظيمٍ، ولٰكن سَوَّدَتْهُم مَفاسِدُ
«بذا قَضَت الأيامُ مابينَ أهلِها
مصائِبُ قومٍ عِند قومٍ فوائدُ»
فَجَهلٌ، وفَقرٌ، ثُم سوءُ مَعيشةٍ
وسوءُ انتِخابٍ،ثم فِكرٌ مُقَيَّدُ
وأسوءُ حالٍ للشعوبِ بأن يُرى
بها الجهلُ مُستشرٍ، بها العَقلُ جامدُ
أقولُ لِمن يَدعو لأقليمِ بصرةٍ:
تَنَبَّهْ إلى قَولي لَعَلَّكَ تُرشَدُ
ألا لا تَسِرْ خَلْفَ السِياسيِّ إنَّهُ
الى حَيثُ ماكان الفَسادُ سَيَقصِدُ
ولا تستمعْ رأيَّ السياسيّ إنّهُ
لَأَسفهُ رأيٍّ في الوجودِ وأَفنَدُ
فما فَرَّقَ الأقوامُ أرضاً تَضُمُّهمْ
وتَجمَعُهُم إلّا سَريعاً تَبَدَّدوا
ولائِمَةٍ شِعري عَلَيَّ بِقولِها:
أراكَ لِشِعر الجاهليينَ تُنشِدُ
أَلَمْ تَدرِ أنَّ العَصرَ عَصرُ حَداثَةٍ؟
وأنَّ قَديمَ الشِعرِ صارَ يُجَدَّدُ
فقُلتُ لها: يأبىٰ كَلامكِ مَن مضىٰ
"جريرٌ" و"شَوقي"والحكيمُ "المُحَسَّدُ"
فأني وريثٌ للذينَ تَقَدَّموا
أَسيرُ كما ساروا، وشَيخي مُحَمَّدُ
أنا العَبقريُّ الفَذُّ والطائِرُ الّذي
لأجلِكَ يا شَعبَ العراقِ أُغَرِّدُ
لَئِن رَدَّدَ البَبْغاءُ قَولاً فَأنَّني
أنا الطائرُ الغِرّيدُ لستُ أُرَدِّدُ