خطبٌ ألمَّ بساحةِ الإسلامِ
علقتْ براثنُه لنا بهُمامِ
دهرُ الفجائع عضَّنا فتمزّقتْ
أَحشاؤُنا من نائبات العامِ
يا دهرُ ما لكَ لا تراعي حرمةً
لأماجدِ الأقوام والأعلام
عَظُمَ الأسى في العالمين فلا ترى
إلا نحيباً أو زفيرَ أرام
والكونُ أظلمَ والقلوبُ تفطّرتْ
والعينُ تذري دمعَها المسجام
وعلا الصياحُ بأرضنا إذ قيل قد
ماتَ الإمامُ مجدّدُ الإسلام
فعليه تنتحبُ العلومُ بتونسٍ
وبمصرها وعراقها والشام
بكتِ السماءُ عليه وَبْلاً هاطلاً
وتقنَّعتْ شمسُ الضحى بلثام
لبس الحدادَ عليه أفقُ الأرضِ من
حُزنٍ وأبدل نورَه بظلام
دارُ العلومِ بتونسٍ أضحى لها
يهدي المدادُ عَزاها للأقلام
والكُتْب تندبُ حظّها وتودُّ أن
يُبنى بها رمسُ الإمام السامي
أمحمّدُ النَّخلِيُّ رزؤكَ فاجعٌ
دهمَ القلوبَ بلوعةٍ وسقام
أمحمَّدُ النَّخليُّ فقدُكَ مُذهِبٌ
عقلَ الحليمِ وهمّةَ المقدام
أمحمدُ النخليُّ بعدكَ من لنا
ينفي شكوكَ النقضِ والإبرام؟
من للعويص إذا تهاطل وَبْلُه
وكبا جوادُ الفهمِ بالأعلام؟
تُبدي آراءكَ كالرّماح فتنجلي
سُحْبُ الجهالةِ عن مُريدٍ ظام
قد كنتَ تأنس بالغريب وسُؤلهِ
وتُزيلُ من بلواه بالإكرام
قد كنتُ أجهدُ أن أزفَّ لكَ الثنا
شكراً على المعروف والإنعام
واليومَ أُبدلُ ما أودُّ بحامضٍ
أوّاه قد ضاعفْتَ في آلامي
لولا الأسى ودموعُ عينٍ هاضها
حزنٌ ألمَّ بمهجتي وعظامي
وحشاشةٌ حُرقتْ وكِبْدٌ حَرّةٌ
لنظمْتُ دُرّاً فيكَ عِقدَ نظام
فلقد رحلتَ وأنتَ أكرمُ راحلٍ
بعد النبيّ ثوى بدارِ مقام
والناسُ حولكَ خاشعون كأنهم
يومَ الحسابِ سعوا بدون ذِمام
وسعَوْا بنعشكَ في الأكفّ وإنما
فوق الأكفّ سعَوا ببحرٍ طام
ودّعتَ تونسَ لا فراقَ تباغضٍ
وأجبتَ دعوةَ تربةِ الآرام
مدّتْ إليكَ القيروانُ يمينَها
وحبَتْكَ بالإجلالِ والإعظام
جاوِرْ بها سُحنونَ إنّك مثلُه
نعمَ الجوارُ على مدى الأيام
يا ساريَ البرقِ السريعِ محدّثاً
كلَّ البلادِ بمصرعِ الضِّرغام
قل للذي طلب العلومَ بتونسٍ
مات الإمامُ الحَبْر رُحْ بسلام