تتابعتِ الأشجانُ في مهجتي تترى
وأوقدتِ الأحزانُ في كبدي جمرا
بلى كم قضيتُ الليلَ أشكو لواعجاً
يكاد لظاها يحرق القلبَ والصدرا
بكيتُ وكم دبّجتُ خدّي وكم جرتْ
دموعٌ لها شؤمُ الحوادثِ قد أجرى
ألفتُ البُكا حتى ثملتُ بخمرهِ
وهمتُ به حتى غدتْ مهجتي سكرى
وما كان من عاداتيَ الندبُ إنما
هو الدهرُ أشجاني بشيمته قسرا
فيا نفسُ هل للصبّ في الدمع راحةٌ
تُخفّف من ثقل الهمومِ له وَقْرا؟
كأني بنفسي قد أجابتْ وأعلنتْ
أجلْ في رحيق الدمعِ قد تجرع الصبرا
أجل أيها الدمعُ الذي انهلَّ سيلُه
جريتَ فأخمدتَ اللواعجَ والجمرا
وأنتَ الذي بدّدتَ غيهبَ زفرةٍ
فضاءت شموسُ الصبرِ في مهجتي الحَرّى
وما أنا من أهل الصبابةِ إنما
تَمكّنَ في قلبي لَعَمري هوى مِصرا
فديتُكِ يا أرضَ الكنانةِ والعُلا
بروحي فأنتِ سدّةُ الحكمةِ الغَرّا
لقد كنتِ دارَ الفضلِ بل كعبةَ النهى
وقد سُدتِ إجلالاً على فلك الشِّعْرى
لهذا كوتْ تلك الشجونُ حشاشتي
وقلبي بنيران الأسى قد غدا أحرى
« ألا أيها القلبُ الحزين إلى متى
تقاسي خطوبَ الدهرِ منقضّةً تترى»
إلى أمةٍ قد طال عهدُ انحطاطها
ولم تسعَ نحو المجدِ تكتسب الفخرا
ويا طالما هاموا بلهوٍ ولذّةٍ
وباتوا إلى سلطان أهوائهم أسرى
ويا طالما ساموا الفسوقَ خلاعةً
وتلك علينا طالما جلبتْ ضُرّا
لقد هتكوا ثوبَ الحياء وَمزّقوا
جلابيبه واستعذبوا الفحشَ والشرّا
وهل أنسى ربّاتِ الخدور ومن أسًى
عليهنّ دمعي قد غدا سائلاً بحرا؟
لقد كدنَ يسبقنَ الرجالَ خلاعةً
بطيشٍ بدا من جهلهنَّ لنا جهرا
ففيهنّ من طالت ليالي هجوعِها
ومن جهلها أضحتْ تنازعنا كِبْرا
ألا يا فتاةَ النيلِ هالت خطوبنا
وجلّتْ فحاشا أستطيع لها حصرا
أتندبنا رسلُ المحامدِ والعُلا
ولا أحدٌ في الناس يستعظم الأمرا
متى نبلغُ العَليا متى نهجر الكرى
فنكتب في سفر المعالي لنا سطرا؟
متى ندركُ الغربَ الذي ساد أهلُه؟
فنجنيَ من حسن الجهادِ لنا فخرا
متى نطرحُ الأحقادَ والبغض جانباً؟
متى من ضلال النفس نلتمس العُذرا؟
أما آنَ أن نسمو ونُعلي شؤونَنا
ألا سامعٌ في هذه البلدِ الكبرى؟
ألسنا ذوي حزمٍ وعزمٍ وعفّةٍ
نعاف الدنايا أن تمرّ بنا مَرّا؟
فهيّا لنفدي بالنفوس بلادَنا
فنُبدل ليلَ الجهلِ - من جدّنا - فجرا
ومنك أيا مصرُ العزيزة رحمةً
وعفواً- سنفديكِ ونُعلي لكِ قَدْرا
فما لي لعَمري عن رقيّكِ سلوةٌ
ففيه لوجدي نقعةٌ تُذهب الضرّا