هاتِ اسْقِني كالنَّجمِ كَأسَاً ثاقِبا
فالقلبُ أمْسى للهُمومِ مَلاعِبا!
واشْربْ خَليلِيَ عَلَّنا نَسْلُوْ الأَسى
فغَداً يُصَيِّرُنا الزمانُ مَغارِبا
وكَأَنَّ هذا الليلَ مَسْرَحُ جِنَّةٍ
وبَناتُ نَعْشٍ فيهِ تَبكي غائِبا!
وسُهَيْلٌ الوَقَّادُ مِنْ يَأسٍ بِهِ
عافَ النُّجومَ وباتَ نَجماً راهِبا!
ذِكَرٌ لَوِ الجَبَلُ الأَصَمُّ تَؤُودُهُ
لاندَكَّ مِنها أوْ لأَصبحَ ذائِبا!
فارَقتُ مَنْ فارَقتُ روحي بَعدَهُ
لولا بَقيتُ لِوِتْرِ روحي طالِبا
ومَنِ المُطالَبُ؟ والزمانُ هُوَ الذي
يُلقي على العشَّاقِ حُكْماً راتِبا!
لوْ فَرْقَدٌ لأَخيهِ أَمْسى عاشِقاً
لَرَأَيتَ حَولَهُما غُراباً ناعِبا!
هاتِ اسْقِني إنَّ الشُّجونَ كثيرةٌ
وأَشَدُّها قَلْبانِ كانا قالِبا!
حَلَبِيَّةٌ كَمُلَتْ مَحاسِنُها فما
تَلقى لها بَينَ البرِيِّةِ عائِبا
وتَخالُ كلَّ خَريدَةٍ شَمْساً فإِنْ
طَلَعَتْ يَصِرنَ جَميعُهُنَّ كَواكِبا!
قالتْ بيومِ وداعِنا: أَزِفَ النَّوى!
فَكأَنَّها مَطَرَتْ عَلَيَّ مَصائِبا!
واسْتَدْرَكَتْ لمّا رأَتْني شاحِباً
"هونْ عَليكَ فما عَهِدتُكَ شاجِبا"
وجَرَتْ مَدامِعُها.. فيا لِمَدامِعٍ
بالعُمْرِ لَوْ تَرقا لَكُنتُ الواهِبا!
عانَقتُها كَعِناقِ مَيْتٍ لِلحَيا
ومَضَتْ تَلَفَّتُ لي.. وظِلْتُ مُراقِبا
قَدَرُ الأَحِبَّةِ أَنْ يُمَزَّقَ شَملُهُمْ
ما انفَكَّ سَعيُ الدهرِ فِينا دائِبا