آيَا زَمَانٌ رَذِيلٌ، فَعَلْنَا فِيكَ الرَّذَائِلُ،
وَنَحْنُ صِغَارٌ، وَارْتَكَبْنَا الأَكَابِرُ.
لَحَى اللَّهُ مَنْ رَبَّوْنَا وَمَا أَفْلَحُوا،
آنَ ذَاكَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَالْمَفَاخِرُ
كَيْفَ أَحْيَا عَلَى الطَّيِّبِ وَالْعُلَا،
وَبِالأَمْسِ لِي مَاضٍ غَيْرُ طَاهِرُ
مَعَ أَوْلَادِ الرَّدَى وَالصُّحْبِ الفُسْقَى،
مِنْ أُصُولِ العُصُورِ الآوَاخِرُ
قَدْ قَلَّ فِيهِ الحَيَاءُ وَالْكَرَامَةُ،
اسْتُبِيحَتْ، فَمَا لَهَا اليَوْمَ نَاصِرُ
وَإِنْ غَالَ الرَّدَى فِينِي فَمِنْ سُوءِ
صُحْبَةٍ، وَمِنْ دَهْرٍ غَادِرُ
فَلَا تَلُومَانِي، كَفَى اللَّوْمُ مَا بِي
مِنْ ذُلٍّ إِذَا اسْتَصْغَرَنِي الأَصَاغِرُ
وَلَوْ يَعْلَمُوا أَنِّي رَمَيْتُ عَاذِلِي
كَمَا يُرْمَى العَدُوُّ الكَافِرُ.
لَأَتَوْنِي بِأَعْذَارٍ يَجُرُّونَ التَّسَامُحَ
مِنِّي، وَيَنْتَظِرُونَ بِأَنْ أُعَاذِرُ
لَا وَالَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ
عَمَدٍ، لَا يَعْلَمُونَ مَا تَكِنُّ الضَّمَائِرُ
بِأَنِّي رَجُلُ السَّمْحِ وَالْعَفْوِ،
وَلَوْ كَانَ رَمَوْنِي بِأَحَدِ السَّمَاهِرُ
وَمَا عَفَوْتُ مِنْ ضَعْفٍ وَخَوْفٍ،
وَلَكِنَّ العَفْوَ عِنْدَ الكَرِيمِ القَادِرُ
وَمَهْمَا طَالَ الزَّمَانُ وَتَمَاطَى بِصُلْبِهِ،
لِيَطْعَنَ وَسْطَ صَدْرِ الصَّابِرُ
فَإِنِّي أَحْيَا عَلَى مَا حَيِيَ
فَتَى الشَّوَامِخِ، لَا يَلِينُ لِعَابِرُ
وَفِينَا نُفُوسُ العِزِّ تُزَجِّرُ
نَحْوَ المَعَالِي كَالشُّعُوبِ الثَّوَائِرُ
وَلَوْ رَامَ الجَهْلُ فِينَا مَذَلَّةً،
فَإِنَّا نَرُومُ مَا تَرُومُ الأُسُودُ الزَّوَائِرُ.
فَبِأَيِّ فَضْلٍ يَدَّعِي الفَاشِيُّ
عَلَيْنَا فَخَارًا، وَهُوَ سَفِيهٌ وَفَاجِرُ
أَلَا لَا يَعْلُو أَحَدٌ عَلَيْنَا، فَإِنَّا
نَعْلُو فَوْقَ عُلُوِّ الأَكَابِرُ
وَمَا نَحْنِي الجِبَاهَ لِغَيْرِ رَبِّي،
وَمَا نَكُنْ احْتِرَامًا لِغَيْرِ الأَخَايِرُ
فَأَنَا بِالمَعَالِي مِنْ بَنِي سَعْدٍ،
أَرَقُّ القُلُوبِ، وَأَوْفَى العَشَائِرُ
وَلَوْ رَجَا غَيْرُنَا مَكْرُمَاتٍ، فَإِنَّهُ
مَا أُجَرَ صَائِمًا، وَلَا أَكْرَمَ عَابِرُ
فَفِينَا أُصُولُ الدِّينِ أَقَمْنَاهَا،
وَفِينَا أَقْوَمُ فَاضِلٍ، وَأَخْيَرُ تَاجِرُ
فَلَوْ أَظْفَرَ فِينَا أَطْرَفُ رَاحِلٍ،
أَضَفْنَا شُيُوخًا، وَأَكْرَمْنَا مُسَافِرُ
فَلَا عَيْرَ الأَرْذَلِينَ الأَطَاهِرُ،
إِلَّا وَبَانَ الدَّهْرُ غَدَّارًا، وَفِيهِ تَذَامُرُ
وَما يَسْلَمُ الكَرِيمُ مِنَ الأَذَى،
حَتَّى يُلَاقِيَ الأَسَى، وَالأُسُّ طَامِرُ
وَمَا زَالَ ابْنُ نُعْمَانَ شَاعِرُ
عَصْرنَا، وَأَنَا لَسْتُ بِشَاعِرُ
وَرَجُلُ المَعَالِي فِيهِ العِلْمُ تَاجٌ،
يُزَيِّنُهُ إِذَ أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ المَخَاطِرُ.
أَنَا لَسْتُ مُجْبِرًا أَوْ جَابِرَ خَاطِرٍ،
وَلَكِنْ أَسُوقُ حِبْرِي لِمَنْ تُلِيقُ المَفَاخِرُ.