يا وطني...
أُحبُّكَ
كما تُحبُّ السنابلُ مطرَ الربيع
وكما يُحبُّ العصفورُ نافذةً
تُطلُّ على الصباح
أُحبُّكَ
لا لأنَّ الخرائطَ قالت إنَّكَ وطني
ولا لأنَّ الكتبَ حفرت اسمَكَ
في دفاترِ التلاميذ
بل لأنَّكَ
أولُ أغنيةٍ سمعتُها
في صوتِ أمّي
وأولُ حلمٍ
نامَ على وسادةِ طفولتي
يا وطني...
كلَّما ابتعدتُ عنك
كبرتَ في داخلي
وصرتَ أكثرَ اتساعًا
من البحر
وأعمقَ من الحنين
أحملكَ في قلبي
كما يحملُ العاشقُ رسائلَه القديمة
يخافُ عليها من النسيان
ويعودُ إليها
كلَّما ضاقت به الأيام
يا وطني...
لستُ أريدُ لكَ قصيدةً عابرة
ولا خطبةً تُصفِّقُ لها الجموع
أريدُ لكَ علمًا يضيءُ المدارس
ويدًا تبني
وفكرًا يزرعُ المستقبلَ
في عيون الأطفال
فإذا سألوني يومًا:
ماذا تملك؟
قلتُ:
أملكُ وطنًا
كلَّما كتبتهُ على الورق
أزهرتِ الكلمات
وكلَّما نطقتُ اسمَهُ
شعرتُ أنَّ العالمَ
أقربُ إلى قلبي
وإذا سألوني:
من أنت؟
قلتُ:
أنا ابنُ هذا الوطن
أمشي على ترابهِ فخورًا
وأتركُ خلفي
أثرَ محبةٍ لا يزول.ط
يا وطني...
حينَ أتعبُ من ضجيجِ العالم
أعودُ إليكَ
كما يعودُ النهرُ إلى مصبِّه
وكما تعودُ الطيورُ
إلى أعشاشها عند المغيب
أبحثُ في وجوهِ الناسِ عن ملامحِكَ
فأراكَ في ابتسامةِ فلاحٍ
يُصافحُ الأرضَ كلَّ صباح
وفي يدِ عاملٍ
يبني من التعبِ جسورًا للأمل
يا وطني...
علَّمتني أنَّ الكرامةَ
ليست كلمةً تُقال،
بل موقفٌ يُعاش
وأنَّ الحبَّ الحقيقيَّ
هو أن نزرعَ شجرةً
لنستظلَّ بها غدًا
لذلك...
أكتبُكَ في دفاتري
وأحفظُ اسمَكَ في نبضي
وأتركُهُ يسافرُ مع قصائدي
إلى كلِّ الجهات
فإن مرَّ الزمانُ على حروفي
سيبقى منك فيها
عطرُ الترابِ بعد المطر
وصوتُ الأمهاتِ وهنَّ يدعونَ
لأبنائهنَّ بالسلام
يا وطني...
ما دمتَ تسكنُ القلبَ
فلن أضيع
وما دامَ حبُّكَ يضيءُ طريقي
فلن أخافَ العتمة
سأكبرُ بكَ
وتكبرُ أحلامي بكَ
وأظلُّ أقولُ للعالمِ كلِّه:
هنا جذوري
هنا حكايتي الأولى
هنا ضحكاتُ طفولتي
وهنا الدروبُ التي تعلَّمتُ فيها
كيف أمشي نحو الحلم
هنا سماءٌ
كلَّما رفعتُ إليها عيني
شعرتُ أنَّ اللهَ أقرب
وهنا أرضٌ
كلَّما لامستُ ترابَها
ازددتُ يقينًا بأنَّ الانتماءَ نعمة
يا وطني...
إن ضاقتِ الأيامُ يومًا
فأنتَ فسحتي
وإن تكاثرتِ الرياحُ
فأنتَ مرساتي
أحبُّكَ
لا لأنَّكَ كاملٌ
بل لأنَّكَ قصَّتي التي لا تنتهي
والحرفُ الذي يبدأُ منه الكلام
والنبضُ الذي يبدأُ منه القلب
ولهذا...
سأظلُّ أكتبُكَ شعرًا
وأزرعُ اسمَكَ في الأغنيات
وأحملهُ رايةً من نورٍ
في مواسمِ التعبِ والانتظار
فإن سألني العمرُ يومًا
عن أجملِ ما امتلكت
سأقول:
وطنٌ سكنَ روحي
فصارَ كلُّ ما فيَّ وطنًا
وإن سألني الناسُ
عن أعظمِ حبٍّ عرفته
سأقول:
هو حبٌّ لا يُباعُ ولا يُشترى
ولا تَحدُّهُ المسافاتُ
ولا تُطفئهُ السنون...
حبُّ الوطن