يا بحر منذ القدم نعرف بعضنا
أو لست تذكر عندما أغرقتني
وضممتني لك ضمة لم أنسها
ومن الرضاب الملح قد جرعتني
للآن طعمته بذوقيَ لم تزل
ما لم أذقه من الطعوم أذقتني
سل هذه الأسماك عن ماضيك لي
جداتهن روين كيف ضممتني
كيف ابتهجن بمقدمي كغنيمة
سنحت وكيف استأن حين تركتني
هيأن مائدة لهن لذيذة
ودعون أتراباً إلى لحمي الهني
وغدون يرقصن ابتهاجاً بالغدا
مني وكن بنعمة ينظرنني
ويَكَدْنَ حتى قبل حين منيتي
وأنا أصارع موجة ينهشنني
وقد ازدحمن لمأكلي وأحطن بي
ودنون من أنفي الطري وأعيني
فحزنّ حين خسرن ما أمّلنه
أضعاف حزنك أنت حين خسرتني
وكم اشتهين بأن دهاهن العمى
وأمام أعينهن ما أمسكتني
لولا اعتلاقي إذ فزعت بلوحة
عطفت بها الأمواج كنت أمتني
فدفنتني حياً وعدت محلّلاً
جسمي وللأسماك قد أطعمتني
ولصرتُ ذرات هناك توزعت
بين البحار وأنت قد وزعتني
لكنها ذرات جسم شاعر
ترقى بها الأسماكُ إذ يأكلنني
فتعود شاعرة تفوه بشعرها
للداتها وبشعرها يسمعنني
ولها يقمن بمهرجان مرة
فيكنَّ من تكريمها كرمنني
يدعون من شعراءَ بر زمرة
يغرقنهم حتى يزوروا مسكني
فتعود روحي حية ما بينهم
ويكنَّ هن إلى الحياة أعدنني
عجبوا بقولي الشعر فيك بوفرة
لم يعلموا السر الذي علمتني
من مائك الملح الأجاج سقيتني
خمراً بها طول المدى أسكرتني
ما زال طيفك مالئاً ليَ فكرتي
وكأنما بالسر منك ملأتني
لما اتحدنا في العناق حسبتني
للبَرّ بحراً ثانياً أرسلتني
لو قلتُ فيك قصائد صخّابة
تعداد موجك صاخباً لم يكفني