دارٌ وليسَ لها أهلٌ وزوَّارُ
ما بالُها غلَّقَتْ أبوابَها الدارُ ؟!
لا شيءَ غيرَ سياطِ الريحِ تجلدُها
تحتَ العَرَاءِ، إذَا ما هبَّ إعصارُ
لمحتُها، فأفاقَ الأمسُ في صُورٍ
بها تشفُّ عن المكنونِ، أستارُ
وماجَ بحرُ حنينٍ لا ضفافَ لهُ
وانشقَّ عن لهفةٍ في الروحِ، تيَّارُ
هنا انعطفتُ لها، من فوقِ مركبةٍ
ليستْ عصاً، كالتي بالأمسِ أختارُ
و كانَ جارٌ لها في البابِ أنكرَني
وما تحدّثَ، لكنْ حدّقَ الجارُ
إزاءَها وقفتْ "سيّارتي" وإذا
قد نازَعَ النفسَ، إقبالٌ وإدبارُ :
أ هذهِ منْ إذا أقبلتُ تضحَكُ لي
في أُفقِها شُرَفٌ تزهو وأسوارُ ؟!
ومَنْ لها مِنْ نسيجِ الغيمِ أقمصةٌ
تحوكُها فارعاتُ الطولِ، أشجارُ ؟!
ومن لها قادَني دربٌ، شُغِفْتُ بهِ
وليسَ مفترقٌ فيهِ ودوَّارُ ؟!
يا واعظي لم أعدْ أحتاجُ موعظةً
عُظمى، تصَرِّحُ أنَّ (الوقتَ غدَّارُ)
شممتُ رائحةَ الآباءِ تغمرُها
فليسَ لي عنهمُ في الوصلِ أعذارُ
شفّتْ بهم مهجتي..من فرط ما انكشفوا
كادوا يصيرونَ في كفّيَّ، أو صارُوا
ورحتُ أصغي لهم.. يا منْ تعاتبُني:
ما هذه الكومةُ الملقاةُ، أحجارُ
ما كانَ يهوي لهَا سَقْفٌ علَى حُلُمٍ
بل كانَ حُلمي بها كالسقفِ ينهارُ
أينَ الرواقُ بها .. أينَ الرفاقُ ومن
بهمْ لها حولَها، في الليلِ أقمارُ ؟!
والأمهاتُ بهنَّ الطيبُ مُفتِتِنٌ
فالأفقُ يأرَجُ و(الليوانُ) عطّارُ
كأنَّما اشتعلتْ أنفاسُهُنَّ بِما
تطوي النفوسُ فما في الدارِ، أسرارُ
والأُغنياتُ وقد سالتْ جداولُها
حيثُ (الرواشنُ) أعشاشٌ وأطيارُ
تجفّفَتْ من ندى الأزهارِ، باحتُها
فلا (هشامٌ) بها يعدُو و(عمَّارُ) !
ولم يعد في الأعالي من ملاعبهمْ
لهمْ، على الغيمِ أغصانٌ وأوكارُ
يا خطوتينِ لطفلينِ انتهى بهما
أمامَها، لأقاصي الأرض مضمارُ
ما كان ينهاهُما في الدرب إن عَبَرا
برقٌ يلوح، ولا ريحٌ وأمطارُ
وليسَ للحربِ في دنياهُما سُحُبٌ
عنها، تُحدِّثُ أنباءٌ و أخبارُ
و سطحِ عاشقةٍ كانتْ وكانَ علَى
حبلِ الغسيلِ لها لحنٌ وتذكارُ
إذَا تغنَّتْ تموجُ الأرضُ في دمها
وقد عَلَتْ للهوى العذريِّ، أوتارُ
وصوتِ مئذنةٍ بالقربِ، يهطلُ منْ
آفاقِها، فغسيلُ الوقتِ أذكارُ
دارٌ كقلب أبي ، لِلْعَالَمِ اتَّسَعَتْ
وهي التي في حِسابِ الطولِ، أمتارُ
أو قلبِ أُمِّي الذي التنّورُ صاهرَه
عطفاً، فرقَّتْ على أوجاعهِ النارُ
طيني تكوَّنَ من أمشاجِ طينتِها
كأنَّني خزَفٌ منها و فخَّارُ
ما كنت أكتُمُ عنها .. كي أُهدِّدَها
ما كانَ يكتمُ من سِرٍّ (سنمَّارُ)
إذا اقترفتُ بحقِّ الحبِّ معصيةً
أستغفرُ الحبَّ إنَّ الحبَّ غفَّارُ
مرَّتْ بيَ الدارُ لكنْ في جنازتِها
للدُّورِ مثلَ بني الإنسانِ، أعمارُ
ولي مع الوقتِ أحلامٌ بلا عددٍ
ولي مع الغيبِ أقدارٌ وأقدارُ