تخطَّ إلى المحتوى

لقد طال اغترابي و ابتعادي

الوافر

٣٦ بيت

المتفرقات

لقدْ طالَ اغْتِرابي و ابْتِعادي

و نَفيي عَنكِ يا خَيرَ البِلادِ

نُفيتُ بِغَيرِ ذَنبٍ عَنكِ إِلا

إِبائِيَ أَنْ أُذَلَّ مِنَ الأَعادي!

أَنا ابْنُكِ يا شَآمُ مَضَتْ سَنينٌ

و ثَوبُكِ لمْ يَزَلْ ثَوبَ الحِدادِ

سِنينٌ خِلتُها مَرَّتْ قُروناً

بِها ذُقتُ المَصائِبَ بانْفِرادي

و حَيداً .. كُلُّ أَصحابي نَسَوْني

سِوى شِعري المُخَضَّبِ بالسَّوادِ!

نَهاري يَنقضي كَدْحاً و نَفسي

بِوادٍ و الذينَ مَعي بِوادِ

و لَيلي يَنقَضي شَوقاً و دَمعي

يُبَلِّلُني و يُنحِلُني سُهادي

أَنا ابْنُكِ شابَ شَعرِيَ ضاعَ وَجهي

فَهَلْ يا شامُ تَذكُرُني بِلادي؟

أَنا مَنْ في رِحابِكِ بُحَّ صَوتي

و في مَنفايَ لمْ أَبْرَحْ أُنادي

و ثُرتُ و لمْ أَثُرْ مِنْ أَجلِ دُنيا

فَحَسْبُ المَرءِ أَنْ يَحيا بِزادِ

و لكنْ ثَورَةً قامَتْ بِحَقٍّ

لَرَدعِ الظّالمينَ عَنِ التَّمادي

و أَوَّلُ ثَورَتي كانَتْ بِدَرْعا

و آخِرُها تُسَعَّرُ في فُؤادي!

صَرَختُ بِلا و كَلا في وُجوهٍ

عَليها كُلُّ لَعْناتِ العِبادِ!

بِكُلِّ مُحَرَّمٍ بَطَشُوا بِشَعبٍ

ضَعيفٍ لَيسَ يَملِكُ مِنْ عَتادِ

أَمامَ عَدُوِّهِمْ فَهُمُ نِعاجٌ

تُطيعُهُمُ و تُذعِنُ بِانْقيِادِ

و لكِنْ هُمْ على الضَّعَفاءِ كانوا

فَراعِنَةً جَبابِرةً .. كَعادِ!

فَكَمْ أَلقَوْا بَراميلاً علَيهِمْ

فَحَوَّلَتِ البُيوتَ إِلى رَمادِ!

و ما رَحِمُوا رِجالاً أَوْ نِساءً

و لا طِفلاً رَضيعاً في المِهادِ

على صَمتٍ مِنَ الدُّوَلِ التي لمْ

تَزِدْهُمْ غَيرَ لَومٍ و انْتِقادِ!

أَنا "السَّاروتُ" بُلْبُلُ كُلِّ حُرٍّ

و حارِسُ ثَورَةٍ قَيدَ المَعادِ

صَدَحتُ بِأُغْنِياتِيَ ثُمَّ خَلفي

تَرَكتُ الدَّمعَ يَنبُعُ مِنْ جَمادِ!

أَنا "القاشوشُ" كَمْ زَلزَلتُ عَرشاً

و أَسمَعتُ الحَواضِرَ و البَوادي

و ليسَ مَعي سِلاحٌ غَيرَ صَوتٍ

بِحُنجُرَتي .. وحُنجُرَتي زِنادي!

أَنا "مَيُّ" التي خَلَّفتُ فَنِّي

ورائِيَ ثُمَّ سِرتُ على القَتادِ!

لأَصرُخَ لا بِوَجهِ الظُّلمِ حَتّى

قَضَيتُ .. فَنِلتُ مِنْ رَبّي مُرادي

أَنا "مَيسونُ بيرقدارُ" كَمْ ذا

دَعَستُ و دُسْتُ هاماتِ الأَعادي

أَذَقْتُ على الهَواتِفِ كُلَّ وَغدٍ

شَتائِمَ لمْ تَزَلْ سَمَرَ النَّوادي

أَنا الأَحرارُ مِنِّيَ حَيثُ كانوا

و نَفسي مِنهُمُ و لهُمْ وِدادي

و أَعدائي الطُّغاةُ وَمَنْ وراهُمْ

و كُلُّ مُؤَيِّدٍ لَهُمُ يُنادي

و مَنْ قالوا لقدْ كُنَّا بِعَيشٍ

و مَنْ وَقَفُوا على أَرضِ الحِيادِ!

و مَنْ سَأَلُوا الإِلهَ بِكُلِّ حُمْقٍ

بِنورٍ مِنهُ إِطفاءَ اتِّقادي!

و مَنْ سَأَلوهُ نَصرَ الحَقِّ جَهلاً

و شَمسُ الحَقِّ في كَبِدِ اعْتِقادي!

و ليسَ يَزيغُ عَنها غَيرَ أَعمى

و ليسَ لدَيهِ شَيٌ مِنْ رَشادِ

و ثَورَتُنا بِلا شَكٍّ و رَيْبٍ

هِيَ الحَقُّ المُبينُ على الفَسادِ

فيا شامُ اصْبِري فالنَّصرُ آتٍ

و لا تَخدَعْكِ في الدَّهرِ العَوادي

فثَورَتُنا سَتَبقى ما بَقينا

تُسَعَّرُ في دِماءٍ أَوْ مِدادِ