كفكفْ دموعك من ضيقٍ ومن سقمِ
وانفذْ من القعرِ كالبركان للقممِ
وانهضْ من الوهن لا تخضعْ لنائبةٍ
فالنائباتُ إلى الأخيار كالرزمِ
اليأسُ يقتلُ والآهاتُ مهلكة
والحزن ذلّ لمن أضحى بلا هممِ
لا العبد باق ولا أسياده مكثوا
فالكلُّ ماض بلا رحل ولا حشمِ
الكربُ يُجلي ذنوبَ المؤمنين كما
تهوي الغيومُ على أرض من الديمِ
تبقى الحياة مع الآلام مزهرةً
والنور فيها برغم الليلِ والعتمِ
في بحر آلائك الخيراتُ تُغرقني
حتى صحوتُ بقعرِ غاية النعمِ
خوفي من الموت لا كرها بآخرتي
بل هجر أهلي وأحبابي وذي رحمِ
ما أروعَ العيشَ في أهلٍ وفي وطنٍ
ما أسعدَ العيشَ في تقوى وفي قيمِ
النفس تهوى الغنى إن قادها ظفرٌ
لا تكره العيشَ إلاّ نفس منهزمِ
لا تأسفَنَّ إذا أخطأتَ في سهم
وأسفْ لكتفٍ إذا ينهار من سأمِ
المالُ يُفقرُ أقواما إذا بخلوا
والفقرُ يُغني نفوسَ العزّ والكرمِ
العمرُ ومضٌ به الأيامُ مسرعة
بالعمر تجري كمنشارٍ ومختصمِ
لا يُسعفُ العبدَ مالٌ في تألّمه
عند الشدائد إلاّ صبرُ معتصمِ
تعلو المصائبُ في الوجدان مؤلمة
لا يشغل الضرسَ ضحكٌ ساعة الألمِ
إنّ المقاديرَ تأتي دون رغبتنا
لا ظلم فيها ولا تجري بلا حكمِ
كم قلت (لو) وعيوني ملؤها وصبٌ
لا تنفع ال(لو) بيوم الحسِرِ والندمِ
ما يفتحُ اللهُ من أبوابِ رحمتهِ
دامت ولكن مع النكرانِ لم تدمِ
كلُّ الوجود وما يجري به قدرٌ
خُطّت معالمُه في اللوح من قدمِ
لم يخلق اللهُ شيءً دون تبصرةٍ
فكلُّ خلقٍ بميزانٍ ومحتكمِ
سبحانَ مَن قال كنْ للشيء مكرمة
فقام خلقًا بها في حُسن مرتسمِ
سبحانَ مَن خلقَ الإنسان في كبدٍ
سبحانَ من علَّمَ الإنسان بالقلمِ
سبحانَ مَن خلق الأكوان مبتدئ
وأنشأ النشأة الأولى من العدمِ
يوما كطيّ السجلّ الكونُ منطوي
والكائناتُ به تُطوى مع الأممِ
ثم الغنيّ يُعيدُ الخلقَ مُقتدراً
وينشئ النشأةِ الأخرى مع النّظمِ