تخطَّ إلى المحتوى

أبصرتها في الخمس و العشر

غير معروف

٨٣ بيت

المتفرقات

أبصرتها في الخمس و العشر

فرأيت أخت الرئم و البدر

عذراء ليس الفجر والدها

و كأنّها مولودة الفجر

بسّامة في ثغرها درر

يهفو إليها الشاعر العصري

و لها قوام لو أشبّهه

بالغصن باء الغصن بالفخر

مثل الحمامة في وداعتها

و كزهرة انّسرين في الطهر

مثل الحمامة غير أنّ لها

صوت الهزار و لفتة الصقر

شاهدتها يوما وقد جلست

في الرّوض بين الماء و الزهر

ويد الفتى " هنري " تطوّقها

فحسدت ذاك الطّوق في الخصر

و حسدت مقلته و مسمعه

لجمالها و كلامها الدرّي

أغمضت أجفاني على مضض

و طويت أحشائي على الجمر

و خشيت أنّ الوجد يسلبني

حلمي ، و يغلبني على أمري

فرجعت أدراجي أغالبه

باليأس آونة و بالصّبر

ثمّ انقضى عام و أعقبه

ثان و ذاك السرّ في صدري

فعجبت ، منّي كيف أذكرها

و قد انقضى حولان من عمري

خلت اللّيالي في تتابعها

تزري بها عندي فلم تزر

زادت ملاحتها فزدت بها

كلفا ، و موجدة على " هنري "

و سئمت داري و هي واسعة

فتركتها و خرجت في أمر

فرأيت فتيان الحمى انتظموا

كالعقد ، أو كالعسكر المجر

يتفكّهون بكلّ نادرة

و على الوجوه علائم البشر

ساروا فأعجبني تدفّقهم

فتبعتهم أدري و لا أدري

ما بالهم ؟ و لأية وقفوا ؟

لمن البناء يلوح كالقصر

أوّاه ! هذي دار فاتنتي

من قال ما للشمس من خدر

و عرفت من " فرجين " جارتها

ما زادني ضرّا على ضرّ

قد كان هذا يوم خطبتها

يا أرض ميدي ! يا سما خرّي

و رأيت ساعدها بساعده

فوددت لو غيّبت في قبر

و شعرت أن الأرض واجفة

تحتى ، و أنّ النار في صدري

و خشيت أنّ الوجد يسلبني

حلمي و يغلبني على أمري

فرجعت أدراجي أغالبه

اليأس آونة و بالصّبر

قالوا : الكنيسة خير تعزية

لمن ابتلي في الحبّ بالهجر

فنذرت أن أقضي الحياة بها

و قصدتها كيما أفي نذري

لازمتها بدرين ما التفتت

عيني إلى شمس و لا بدر

أتلو أناشيد النبيّ ضحى

و أطالع الإنجيل في العصر

حينا مع الرهبان ، آونة

وحدي ، و أحيانا مع الحبر

في الغاب فوق العشب مضطجعا

في السّفح مستندا إلى الصّخر

في غرفتي ، و الريح راكدة

بين المغارس ، و الصّبا تسري

حتى إذا ما القلب زايلة

تبريحه ، و صحوت من سكري

و سلوتها و سلوت خاطبها

و ألفت عيش الضنك و العسر

عاد القضاء إلى محاربتي

ورجعت للشكوى من الدهر

في ضحوة وقف النسيم بها

متردّدا في صفحة النهر

كالشاعر الباكي على طلل

أو قاريء حيران في سفر

و الشمس ساطعة و لامعة

تكسو حواشي النهر بالتبر

و الأرض حالية جوانبها

بالزّهر من قان و مصفرّ

فكأنّها بالعشب كاسية

حسناء في أثوابها الخضر

و علا هتاف الطير إذ أمنت

بأس العقاب و صوله النسر

تتلو على أهل الهوى سورا

ليست بمنظوم و لا نثر

يحنو الهزار على أليفته

و يداعب القمريّة القمري

و انساب كلّ مصفّق عذب

و اهتزّ كلّ مهفهف نضر

فتذكّرت نفسي صبابتها

ما أولع المهجور بالذّكر

أرسلت طرفي رائد فجرى

و جرى على آثاره فكري

حتى دوى صوت الرئيس بنا

فهرعت و الرهبان في إثري

و إذا بنا نلقى كنيستنا

بالوافدين تموج كالبحر

و إذا " بها " و إذا الفتى هنري

في حلّة بيضاء كالفجر

تمشي بين ذي أدب

حلو ، و بين مليحة بكر

رفع الرئيس عليها يده

و أنا أرى و يدي على صدري

يا قلب ذب ! يا مهجتي انفطري

يا طرف فض بالأدمع الحمر

أغمضت أجفاني على مضض

و طويت أحشائي على الجمر

و خشيت أنّ الوجد يسلبني

حلمي ، و يغلبني على أمري

فرجعت أدراجي أغالبه

باليأس آونة و بالصبر

و خرجت لا ألوي على أحد

و رضيت بعد الزّهد بالكفر

أشفقت من همّي على كبدي

و خشيت من دمعي على نحري

فكلفت بالصهباء أشربها

في منزلي ، في الحان ، في القفر

أبغي الشفاء من الهموم بها

فتزيدني وقرا على وقر

و تزيدني و لعا بها و هوى

و تزيدني حقدا على هنري

قال الطبيب و قد رأى سقمي :

لله من فعل الهوى العذري

ما لي بدائك يا فتى قبل

السحر محتاج إلى سحر

و مضى يقلّب كفّه أسفا

و لبثت كالمقتول في الوكر

ما أبصرت عيناي غانية

إلاّ ذكرت إلى الدمى فقري

و سئمت داري و هي واسعة

فتركتها و خرجت في أمر

فرأيتها في السوق واقفة

و دموعها تنهلّ كالقطر

في بردة كاللّيل حالكة

لهفي على أثوابها الحمر

فدنوت أسألها وقد جزعت

نفسي ، وزلزل حزنها ظهري

قالت : قضى هنري ! فقلت : قضى

من كاد لي كيدا و لم يدر

لا تكرهوا شرّا يصيبكم

فلربّ خير جاء من شرّ

رهفا هواها بي فقلت لها :

قد حلّ هذا الموت من أسري

قالت : و من أسري ! فقلت : إذن

لي أنت ؟ قالت : أنت ذو الأمر

فأدرت زندي حول منكبها

و لثمتها في النحر و الثّغر

و شفيت نفسي من لواعجها

و تأرت بالتصريح من سرّي

ثمّ انثنيت بها على عجل

باب الكنيسة جاعلا شطري

و هناك باركني و هنّأني

من هنّأوا قبلي الفتى هنري

من بعد شهر مرّ لي معها

أبصرت وضح الشيب في شعري

ما كنت أدري قبل صحبتها

أنّ المشيب يكون في شهر

فكرت في هنري و كيف قضى

فوجدت هنري واضح العذر

يا طالما قد كنت أحسده

و اليوم أحسده على القبر