الصبرُ أَجملُ والتجمُّلُ أنسبُ
والصمتُ عن كُثْر اللجاجةِ أصوبُ
وبحدِّ عزمكَ فاحتملْ مضضَ الجفا
إن كان خِلُّكَ عن وصالكَ يرغب
واسلمْ لحكمٍ يرتضيه فإنما
حكمُ الأحبّةِ للنفوسِ مُحبَّب
واصبرْ على ما حمَّلتْكَ يدُ النّوى
واطلبْ من الأيام ما هي تطلب
واقنعْ بما يأتي الزمانُ فإنه
زمنٌ كقلب المرءِ قد يتقلَّب
وإذا الحبيبُ سقاكَ كأسَ صدودهِ
فامزجْه صبرًا علَّ كأسَكَ يعْذُب
وعلى سبيلِ رضا الأحبّةِ فاستقمْ
لو عن وصالكَ أَعْرضوا وتجنّبُوا
فلربَّ سانحةٍ تمرّ عشيّةً
ولعلّ ربعَكَ بعد جدبكَ يُخصِب
إنّ المحبَّ وإن تباعدَ ساعةً
فلربَّما بعدَ التباعدِ يَقْرُب
إن لم يكن بالصبرِ أغتبقُ الجفا
فبأيّ كأسٍ من هواكم أشرب؟
فالشوقُ يجذب زفرتي فأردّها
خوفَ الرقيب لزفرتي يترقّب
ولربَّ يومٍ قادني شوقي إلى
عتبِ الحبيبِ فلا أراني أعتِب
فأرى المُحالَ تغيُّرِي في الودِّ إذ
طبْعُ المحبّةِ للمودّةِ يجذِب
لولا التجاذبُ في الطبيعةِ لم يقم
كونٌ وأحكامُ الطبيعةِ تغلب
ما للهوى يسطو بعَضْبٍ لَهْذَمٍ
ولمهجتي بدمِ الصبابةِ تُخضَب
يا عاذلي والعذلُ مجلبةُ الضنى
إنّ الجفَا بعد التواصلِ يصعب
لو كنتَ تدري ما حملتُ من الهوى
لعلمتَ أنّ الحبَّ أمرٌ مُتعِب
لو نارُ وجدي بالبحارِ لأصبحتْ
غَوْرًا وماءُ صبابتي لا ينضُب
يا مُتلفي بالهجر حسبُكَ ذا الجفا
فالحبُّ يقتلُ والتجافي يسلُب
عجبًا لقلبٍ لا يرقُّ وإنه
أقسى من الصخر الأصمّ وأصلب
إن الغرامَ إذا تحكّمَ في الفتى
فهو البَلا إن لم يجدْ ما يطلب
أتكلّف السُّلوانَ وهو يعزُّ بي
إنَّ السلوَّ عن الأحبّةِ يعزُب
للّهِ من زمنٍ حكمتَ ببيننا
ما أنتَ إلا للفراقِ مُسبِّب
لا زلتَ مُغرًى بالتشتّت والقِلى
في كلّ يومٍ للعجائبِ تجلب
إِنَ الزمان أبٌ لكل عجيبةٍ
تأتي وما تلد الليالي أعجب
أين الفرارُ من الزمان وأهله
فجميعُهم شَرَكَ المكائدِ ينصِب
لا تأمننَّ من الزمان فإنه
لا يأمنُ الدهرَ الخئونَ مجرِّب
ما هذه الأيامُ إلا عِبرَةٌ
حارَ اللبيبُ لها وضاقَ المذهب
لم يبقَ لي وِزرٌ ألوذُ به سوى
كَنَفِ الخليفةِ مَنْ إليه المهْرَب