قالوا تحبُّ الدّير؟ قلتُ وكيف لا؟
فيها يقيمُ أحبَّتي وصحابي
أحببتُها ملكتْ عليَّ مشاعري
فحرستُها كالعين بالأهداب
فيها وُلدت درجت في أرجائها
فوق التلال بصحبتي أترابي
يدعونها بعروسة الصحراء بل
صار العجاجُ لها من الألقاب
ولحبِّنا تلك الديار فقد غدا
هذا العجاج كزينةٍ وخضاب
لم نَشْكُ من ظمأٍ بها ولطالما
فاض الفراتُ هنا بغير حساب
فالحَوْر والطرفاء والغرَبُ اكتسى
في الشاطئين بمنظرٍ خلاّب
حتى إذا حَلَّ الربيع بأرضها
لبست له إذ ذاك خُضْرَ ثياب
فسهولها ملءَ العيون حلاوةً
وتلالُها في غاية الإعجاب
تتفتّح الأزهار فوق مروجها
وتغرِّدُ الأطيارُ في استطراب
أنَّى حللتَ وجدتَ في أريافها
قطعان ماشيةٍ وصوتَ رباب
ولمحت عن بعدٍ دخان بيوتها
تدعو الضيوف ببالغ الترحاب
فإذا رغبت بمربعٍ مخضوضلٍ
صيفًا وماءٍ دافقٍ منساب
فاقصدْ إلى نهر الفرات فماؤه
يشفي العليل يفوق كلَّ شراب
يا أيها الجسر المعلَّق إنما
تمضي السنون وتنقضي كسحاب
ولسوف نذكر دائمًا زمن الصِّبا
عند الضفاف ومائها الصخّاب
نتصيَّد الأسماك يمضي بعضُنا
فيُعِدُّ أكوامًا من الأحطاب
نشوي على النيران ما اصطدناه من
سمكٍ ومن طيرٍ لنا أوّاب
يا أيها الجسرُ الكبير كمِ التقى
عند الغروب عليك من أحباب!
ستظلُّ رمزًا للفرات ومَعْلَمًا
يبقى السنينَ وطيلةَ الأحقاب