جدَّاهُ يا نورَ عيني جاء عنك نِدا
مدَّ المنونُ الذي أهوَى إليك يدا
لو بيننا الموتُ يا جدَّاه خيَّرني
لاخترتُهُ عنك، أيامي إليك فِدا
لكنَّه مُسرعاً قد جاء يفجعنا
أدمى لنا القلبَ والأحشاءَ والكبدا
ليلاً لقد جاء فاشتدَّ السوادُ بهِ
مِن حولنا ليتَهُ في أمره اتَّأدا
يا أيها الموتُ قد أقرحتَ أعيُنَنا
فالجفنُ مِن بعدما أقرحتَ ما رقدا
والقلبُ حزناً على مَن كان خيمتَنا
أجَّت به نارهُ الحمراءُ فاتقدا
فالخيمةُ استَنفَدت أيامَها وهَوَت
لم تُبقِ في حالهِ حبلاً ولا وتدا
منهوكةَ الجسمِ مِن سُقمٍ ألمَّ بهِ
أفنَى لهُ الروحَ والأعضاء والجسدا
يا أيها الموتُ أبكيتَ القلوبَ به
الصَّحبَ والبنتَ والأحفادَ والولدا
كم كان مِن بينهِم مِصباحَ داجيةٍ
يزهو إذا أظلمَتْ، بالنور مُتَّقدا
كم كان صوتاً حزيناً في تلاوته
يرقى إلى الله بالتعظيم مُرتعِدا
قد كان بين الرجا والخوف مبتهلاً
يسمو عروجاً إلى الرحمانِ ما سجدا
أخلاقُه البِيضُ بين الناس تَسبقُه
ما ودَّع الصحبَ أو ما مَحفَلاً قصدا
أغضَى وعن كل نقصٍ صام مُتَّقياً
لله بالقولِ والأفعالِ قد عبدا
كم يدخلُ القلبَ ما ألقى تحيَّتَه
ما إنْ رأى صاحباً أو قاصداً وفدا
ما مات مَن مات مِن ذكرٍ يخلِّدُه
بالذكرِ كم عاش مفقودٌ وكم خلُدا
فارفع له الذكرَ يا ربَّاهُ في الملإ ال
أعلَى وهَبْهُ الذي قد كان مُعتقِدا
واجعله مِن خيرِ مَن وافاك ملتمساً
و اجعله مِن خير مَن حوضَ الهُدَى وردا
واجعله مِمَّن بدارِ الخلدِ منك رضًى
بالحورِ يا ربِّ والولدان قد سَعُدا
أنت الوفيُّ الذي لا نِدَّ يعدلُهُ
أنت الوفيُّ الذي أوفَى بما وعدا