أفدي رسولَكمُ الكريم مُسلِّمَا
أهدى التحيّةَ غيرَ أنْ يتكلّمَا
فكأنه يدعو القلوبَ إلى الهدى
متحدّياً أهلَ البلاغةِ مُعلِما
ويقول معجزتي بياني صامتاً
ما كان أعجبَ صامتاً متكلّما
لو قام «سحبانٌ» يُعارض لفظَه
لرآه أربابُ البلاغةِ أعجما
أو قام «قُسٌّ» في عكاظَ بخطبةٍ
ورآه كان مهلّلاً ومعظّما
كم حكمةٍ في طيّه لو أنها
شُرِيتْ بملء الأرض كانت مَغنما!
كم ضمَّ معنًى في رشاقة لفظهِ
من دونه يقف المفوّه مُحجِما!
كم دُرّةٍ ظمئتْ لأخرى مثلِها
فكأنه عِقدٌ بكفّكَ نُظِّما!
لو كان للفرقان بعدُ بقيّةٌ
خلناه إياها وكنتَ المنعما
إني لأَلبسه الزمانَ تميمةً
وأُحلّه مني المحلَّ الأعظما
وأَعدُّه ما عشتُ أكبرَ آيةٍ
تحمي صروحَ العلم أن تتهدّما
فاسلمْ لشعبكَ إن شعبكَ نائمٌ
طافت به أحلامُه فتبسّما
كم حالمٍ بالمُلْك إن أيقظتَه
ألفى القيودَ برجله فتألّما!
أيقظْه ما الأحلامُ إلا فتنةٌ
وانهضْ به فلعله أن يَسْلما
كنْ سعدَه إن النحوسَ كثيرةٌ
طلعتْ بليلٍ منه كانت أظلما
ما الشعبُ غير بنيه إن هم أحسنوا
فيه الصنيعَ تقدّموا وتقدّما
والشعبُ حصنٌ لِبْنُه أبناؤه
فإذا تنافرتِ القلوبُ تهدّما
والويلُ إن تمَّ الشِّقاقُ فإنّها
فُرصٌ تحين لذي حبائلَ أحزما
ما لي رأيتُ الصدقَ أصبح سُبّةً
فينا وخيرَ الناسِ شيخاً أوهما
عجباً أرى المقدامَ أصبحَ مذنباً
يُقصَى وذا الوجهين أضحى مُكرمَا
إني عرفتُ الدهرَ حتى خلتُني
إياه فاسمعْ سائلي ثمَّ احكما
إن شئتَ أن تحيا سعيداً بينهم
كنْ تابعاً ما يشتهون مُعظِّما
حتى إذا قالوا الظلامُ أجنَّنا
والشَّمسُ مشرقةٌ فقل ما أظلما
واخلعْ ثيابَ الصِّدقِ عنكَ ولا تردْ
إلا رداءً بالرياء مُنمنَما
واعلمْ بأنّ عليكَ أولَ واجبٍ
نقلُ الحديثِ وإنْ وضعتَ فمُحكمَا
أو لا فعشْ مثلي تعشْ مستضعَفاً
أو مثلَ أحمدَ فهو لن يتهضّما
قاضٍ إذا سُبلُ الأمورِ توعّرتْ
جعلتْ فراستُه إليها سُلّما
ترجو الحياةَ لقومه لا شخصِه
وهناك من يحيا ليلقى مَغنما
فلتَفْدِ هاتيك الضباعُ سباعَنا
وليخجلِ الخفّاشُ أن يتقدّما
فالذئبُ لا يرعى الشِّياهَ وإن بدا
منه الصَّلاحُ مُسبِّحاً ومُهمهما
مولايَ خذْ بيدي وكن متعَهّدي
بالنصح إني قد عهدتكَ مُنعِما
ما العلمُ فينا ما بقيتَ بضائعٍ
كلاّ وحزبُ الجهلِ لن يتقدّما