قال شاعر النيل حافظ إبراهيم
رَجَعْتُ لنفسي فاتَّهَمْتُ حَصَاتي
وناديتُ قَوْمي فاحْتَسَبْتُ حَيَاتي
رَمَوْني بعُقْمٍ في الشَّبَابِ وليتني
عَقُمْتُ فلم أَجْزَعْ لقَوْلِ عُدَاتي
وَلَدْتُ ولمّا لم أَجِدْ لعَرَائسي
رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتي
وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظَاً وغَايَةً
وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بهِ وَعِظِاتِ
فكيفَ أَضِيقُ اليومَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ
وتنسيقِ أَسْمَاءٍ لمُخْتَرَعَاتِ
فرأيت أن أجيبه معارضا:
سَيَسْمَعُكِ المَيْتُ الَّذِي زَارَ قَبْرَهُ
وَ لَنْ يَسْمَعَ الحَيُّ الَّذِي بِحَيَاةِ
تُنادِينَ مَنْ؟ هَلْ يَنفَعُ المَيْتُ حَيَّةً
كَفَاكِ نِدَاءً ! لَا نِدَا لِرُفَاتِ
وَأَدْتِ... فَلا فَحْلٌ بَدَتْ بِنتُ عَيْنِهِ
وَ لَا قَلْبَ قَدَّتْهُ سِهَامُ بَنَاتِ
فَكَيْفَ تُرِيدِينَ العُرُوبَةَ بُرْدَةً
وَ جُلُّ بَنِيكِ اليَوْمَ (نِصْفُ عُرَاةِ)
حَمَلْتِ كِتَابَ اللَّهِ و اللَّهُ شَاهِدٌ
وَ تَلْقَاكِ فِي الأَوْقَاتِ كُلُّ صَلَاةِ
وَ مَا ضِقْتِ عَنْ وَصْفٍ وَ لَكِنْ تَأَخَّرُوا
عَنِ الفَهْمِ أَوْ تَحْدِيثِ مُصْطَلَحَاتِ
بِحَارُكِ أعمَاقٌ وَ غوَّاصُكِ اختَفَى
يُسَابِقُ أحلَامًا بِبَحرِ سُبَاتِ
بَنُوكِ بَنَوْا سُورًا أَمَامَكِ قَائِمًا
لِتَبْقَيْ بِلَا حُسْنٍ بُعَيْدَ شَتَاتِ
سَتَفنَى لُغاتُ الأَرْضِ حَتَّى شُعُوبُهَا
وَتَبقينَ رَغمَ المكرِ وَ الأَزَمَاتِ
وَ يبْلَى بَنُو عُرْبٍ وَ يَبْلَى عَدُوُّهُمُ
لِتَبتَهِجِي دَهْرًا بِرَغْمَ جُناةِ
صَدَقْتِ! رِجالُ الغَرْبِ أَعْلَوا لُغَاتِهِمْ
فَأَعْلَتْهُمُ حَتَّى سَمَوْا بِصِفَاتِ
وَ لَكِنْ هناكَ اليَومَ أصْحَابُ هِمَّةٍ
فَلَا خَوْفَ إذْ مَا مَاتَ فَحْلُ بُنَاةِ
سَيذْكُرُكِ الأَوغادُ بالسُّوءِ دَائِمًا
وَ لوْ صُنْتِ لَنْ يَرْتَاحَ جَمْعُ زُناةِ
يُريدُونَ عَذْرَاءَ اللُّغَاتِ فَرِيسَةً
لَيَسْهُلَ تَكْفِينٌ بِيْوَمِ ممَاتِ
أَلَا إنَّهُمْ مَا أَطْعَمُوا الطَّيْرَ حَبَّةً
وَ لَا هَيَّجُوا ماءً بِنَهْرِ فُرَاتِ
وَ لَا أَفْزَعُوا شِعْرًا بِنَثْرِ بُحُورِهِ
لِأَنَّكِ حُسْنُ الحَرْفِ فِي النَّغَمَاتِ
بِرَبِّكِ لَا تَبْكِي جَرَائِدَ أُمَّتِي
وَ لَا شِبْهَ إعْلَامٍ عَلَى الصَّفَحَاتِ
وَ لَا تَأْمَلِي مِنْهُمْ إعَادَةَ هَيْبَةٍ
فَمَا عَادَ جُثْمَانٌ بُعَيْدَ وَفَاةِ
تَرُومِينَ بَعْدَ الهَجْرِ خَيْرًا لَهُمْ وَ هُمْ
يُرِيدُونَ خَرْقَ الظَّهْرِ بِالطَّعَنَاتِ
لَحَاهُمْ إلَهُ الكَوْنِ فَرْدًا وَ زُمْرَةً
وَ تَبًّا لِمَا مِنْهُمْ غَدًا هُوَ آتِ
أَمِلْتِ مِنَ الكُتَّابِ شَأْنًا وَ رِفْعَةً!
فَهَلْ شُفْتِهِمْ صَارُوا كَجَمْعِ رُعَاةِ؟
وَ أَموَاتُهُمْ أَضحَوا حماةَ قصيدَةٍ
فَكيْفَ يُجِيدُ المَوْتُ بَذْرَ حَيَاةِ؟
يَرُومُونَ مِنْكِ اليَوْمَ جَاهًا وَ رِفْعَةً
وَ مَا قَدَّمُوا حَتَّى قَلِيلَ فُتَاتِ
حَنَانَيْكِ لَا أَحْلَامَ تَحْمِي قَطِيعَنَا
لِأَنَّا نَرَى فِي الذِّئْبِ ظِلَّ حُمَاةِ
ألَا يَا حُماةَ الضَّادِ لَا لَوْمَ إنْ بَدَا
قَصِيدِي كَجَيشِ العُرْبِ فِي الغَزَواتِ
فَمَا عُدْتُ أسْطِيعُ السُكُوتَ وَ لَا الرِّضَا
وَ مَا عُدْتُ مَرئِيًّا أمَامَ عَدَاتِي
بَنُو جِلْدَتِي هَدُّوا العِمَادَ وَ لَمْ يَعُوا
قَصِيدًا بَلِ اسْتَوْصَوْا بِكتْمِ عِظَاتِ
أيَا لُغَةَ القُرْآنِ عُذْرًا فَإنَّنِي
سَئِمْتُ سُكُونَ الصَّوتِ فِي الحَركَاتِ