أُصغي إلى البَحرِ مَهمومَاً يُخاطِبُني
ويُرسلُ المَوجَ مِثلَ الآهِ في أُذُني
يَقولُ عَذَبَني ضَعفي وشِدَّتُهُ
مَن بالصُدودِ وبالهِجرانِ يَقتُلُني
أُعانِقُ الشَّطَّ في شَوقٍ وَفي وَلَهٍ
لكِنَّهُ حينَ أَدنو مِنِهُ يَحطِمُني
إنّي أنا البَحرُ أصلُ الأرضِ مِن زَمَنٍ
فَهَلْ تَبَدَّلَ من تاريخِها زَمَني
أَنا الحَياةُ لِأهلِ الأَرضِ قاطِبَةً
مِن غَيرِ مائي فَلا زَهرٌ على فَنَنِ
هذي الجَداوِلُ والأنهارُ أَورِدَتي
والماطِراتُ على طُول المَدى مُزُني
وأحمِلُ النَّاسَ في تِرحالِهمْ دَعَةً
لَولايَ ما رَكِبوا يومَاً على السُفُنِ
لَو شِئتُ أَغرَقتُهُم في لَمحِ بارِقَةٍ
ولو أَشاءُ جَعَلْتُ الأَرضَ لَمْ تَكُنِ
فَقُلْتُ يا بَحرُ: إنّي جِئتُ مُكتَئِبَاً
قَدْ زِدتَني شَجَنَاً يَطغى على شَجَني
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ البَحرَ ذو كَبِدٍ
مِثلي تُعانِي من النُكران وَالحَزَنِ
فاصبِرْ فإِنَّ جَميلَ الصَبرِ يَجعَلُهُ
حُلوَ المَذاقِ بِلا ضَعفٍ وَلا وَهَنِ
العِشقُ يَحْلو إِذا طالَ الزّمانُ بِهِ
إِنْ كانَ بِالسِّرِّ أَو إِنْ كانَ بِالعَلَنِ
ولَيسَ لِلحُرِّ غَيرُ الصَّبرِ يَنفَعُهُ
مِنْ جَفوَةِ الخِلِّ أَو مِنْ جَفوَةِ الوَطَنِ