أبتاه صرخة ألم أَبَتِي ونَبضَ الحُبِّ فِي شِرياني
يَفديِكَ خَلفَ الجَانِحاتِ جَنانِي
أَهرَقتُ دمعَ العينِ حُزناً واكتوى
قلبي وأجَّت داخلي نيراني
أَأَراكَ ثانيةً وقد طالَ النَّوى
أَم كانَ للأقدارِ رأيٌ ثانِ؟
أَتَضُمُنِي في حِضنِكَ الحاني إذا
ضاقت على ابنِكَ فُسحةُ الأحضانِ؟
فأرى أصابعَكَ النَّدِيَّةَ تعتلي كَتِفِي،
تُرَبِّتُ فوقَهُ بحنانِ
وتَجُوسُ في شَعرِي وفي وَجهِي لِتَمسَحَ
لمسةَ الأحزانِ عن أجفاني
أأرى سحائِبَها وقد هَطَلَت على خَدَّيَّ
تروي روضةَ الرمانِ؟
أم أنَّ ما مَنَّيتُ نفسي نَيلَهُ
أضحى كرؤيا حالمٍ وأماني؟!
قد كنتَ لي وطناً ألوذُ كطائرٍ
في حِضنهِ، إن أنكَرَت أوطاني
واليومَ هل يسطيعُ حِضنٌ مثقلٌ
بالداءِ يحويني كمثلِ زمانِ؟
آهٍ وآهٍ من بلادٍ غرَّبت سُفُنِي،
وألقت بي هناكَ أُعاني
ما بينَ دمعيَ حين أذكرُ أنني قد
لا أراكَ، وبينَ ليلٍ جانِ
آهٍ وآهٍ من مسافاتٍ بَدَت
وكأنَّها لِي قبضةُ السجَّانِ
لم أستطع منها فِكاكاً كي أرى
بعد الجفافِ ربيعكَ النُّوراني
كي أَلمَسَ الصدرَ الحنونَ يَضُمُّني و
تَقَرَّ حينَ لقائنا العينانِ
وأجوبَ في عينيكَ مُدْناً،
دُورُها مُستبشراتٌ حينما تلقاني
عادت بيَ الذكرى لبيتٍ ضَمَّنا
شيّدتَهُ أبتي على الإيمانِ
كم نازعتني فيهِ كُلُّ
صَبَابَةٍ لِفِراشِهِ، للبابِ، للجُدرانِ
للذكرياتِ المُورقاتِ سعادةً منثورةً
في سائرِ الأركانِ
فهناكَ كانَ الصَّوتُ يصدحُ
دافئاً مُتَرَنِّماً بالذِّكرِ والقُرآنِ
وهنا، بِغُرفَتِيَ الصَّغيرةِ شمعةٌ
مازلتَ تُوقدها من الوجدانِ
كم كُنتَ تسألها إذا ضَوَّأتَها عَنِّي
وعن أُمِّي وعن إخواني
وهناكَ عُصفورٌ على شُبَّاكنا قد
كان يسكبُ أعذبَ الألحانِ
أتراهُ حينَ مرضتَ كفَّ عن الغِنا
حزناً عليكَ، فلاذَ بالطيرانِ؟
يا ليتني قد كنتُ طيراً مثلَهُ
لَجَعَلتُ كفَّيكَ النَّدى أغصاني
ورَجَعتُ بعد تَغَرُّبي أرعاكَ في
مرضٍ تُكابِدُ هَولَهُ وتُعاني
أُلقي بنفسي تحتَ رِجلِكَ علَّني
أحظى بعفوِ الواحدِ الدَّيَّانِ
وأُريقُ دَمعَ العينِ مُعتَذِراً لِما قَصَّرتُ
في بِرٍّ وفي إحسانِ
أبتي تَجَلَّد يا رعاكَ اللهُ في
خَطبٍ مَرِيرٍ، شَرُّهُ أبكاني
ما زِلتَ صلداً والخطوبُ هزيلةٌ
إن تلقَهَا بعزيمةِ الفُرسانِ
فاصبر، فإنَّ الصَّابرينَ جزاؤهم يومَ
القيامَةِ جَنَّةُ الرحمنِ