لستُ وحدي
بلسان كلِّ شهيدٍ
فلْتقُلْها :
لستُ وحدي
أنا ثغرٌ لشعوبٍ قد تعرّتْ مِنْ رداءِ اللّفظِ
ملّتْ فاستكانتْ
وغفتْ في ظلِّ صمتِ العجزِ دهرًا
وأنا صوتٌ يدوّي في فمِ الأجيالِ
تأتيني طيورُ الشِّعرِ
تبني نايَها عُشًّا على أسطحِ لغوي
وتغنّي :
يا كلامَ الكونِ
كنْ لحنًا رقيقًا في مساءٍ مِنْ نشيدْ
ولْتقُلْها :
لستُ وحدي
عند بابي تصبحُ الأشجارُ لونًا أرتديهِ
والغزالُ الحُرُّ كالأطفالِ يلهو ثمّ يغفو
والفراشاتُ تقيمُ الوردَ عرشًا لحَمامٍ فوق كوخي يطلِقُ العشقَ هديلًا
وخريرُ النّهرِ موسيقى لعطشانٍ عتيقٍ ملَّ مِنْ قيظِ انكساراتِ المنى فوق ضفافِ الغدِ
قُلْها بفمٍ ملآنَ :
لا للقُبْحِ
لا للقهرِ
وليسمعْ عطاشُ الحُسْنِ صوتَ المطرِ الآتي ربيعًا ضاحكًا في ثوبِ عيدْ
لستُ وحدي
هذه أسطورةُ الموتى القدامى
يحملونَ البرْقَ نجمًا في دجى المعنى تنادي قربَ عرشي :
أيّها اللّيلُ تغرَّبْ
كنْ بعيدًا عن تخومِ الشّمسِ مهزومًا
فلن تبقى نزيفًا لجراحاتِ العبيدْ
لستُ وحدي
إنَّ عصفورًا مِنَ الهمسِ يُرى عند شبّاكي
يا لسانَ الخيرِ ضمِّخْ لغتي بالعسلِ الشّافي
ليغفوْ عند بيتي زمنٌ داستْهُ ألوانُ كلامٍ لمْ تزلْ ترسُمُ شوكًا وصراخًا ونحيبًا في فمٍ أقسى مِنَ الصّخرِ وأسياخِ حديدْ
لستُ وحدي
ها هو الضّوءُ يجافي ظلمةً تبغي افتراسي واختطافي مِنْ سريرِ الصّيفِ نحو الرّيحِ
ترميني جريحًا نازفًا مِلْحًا على قارعةِ البردِ
فمهلًا يا شتاءَ الملْحِ مهلًا
إنّهُ الدّفءُ بأحلامي وفي وديانِ قلبي
إنّهُ الدّفءُ
سيلغي مِنْ طريقي كلَّ أكوامِ الجليدْ
لستُ وحدي
فمعي عزمُ رجالٍ لمْ ينمْ في حضنِ سيفٍ هائجٍ
والآنَ ذا هابيلُ يحيا بانهزامِ الموجِ
فوق البحرِ يمشي باسمًا
يأتي إلى شطّي ليحسوْ قهوةَ الصُّبحِ
أخي أنتَ
ولن تفنى بسكّيني
فكُلْ مِنْ ثمري
واشربْ نبيذي
ومعي عطرُ نساءٍ آتياتٍ مِنْ جِنانِ الطُّهرِ يجلو عفَنًا حطَّمَ جدرانَ رحيقي
ومعي لهوُ شبابٍ يطردُ المنفى
ويمحو صدأَ الشَّيبِ عن الرّوحِ
أنا
لا أحدٌ غيري
معي في غابتي تنمو ابتساماتُ وليدْ
فلْتقُلْها مرّةً أخرى :
أنا لستُ وحيدًا
إذ طعامي مِنْ نسورٍ لمْ أزلْ آخذُهُ
والقحطُ ما شلَّ كرومي
وأنا ما زلتُ أسمو
مركباتُ النّارِ تمضي بيْ إلى مجدي إلى الأعلى
فأنسى ماضيًا مرّغني بالطّينِ يومًا
ثمّ أعدو نحو يومي وغدي حُرًّا طليقًا
تحت أقدامي قلاعُ الشّرِّ تهوي
وذئابٌ تتلاشى
لستُ وحدي
فمعي الطّوفانُ يغزو مدنَ الجمرِ وأوكارَ السُّكارى
ومعي شَعبٌ سيبقى قربَ نبعِ الفهمِ حيًّا هاتفًا :
مُتَّ
لنحيا يا شهيدْ
مُتَّ
لتحيا يا شهيدْ