لولاك كان الذي فوق الثرَّى سَرَبا
يا من بطلعته اهتزَّ العلى طَرَبا
أصبحت بين ملوك الأرض مشتملاً
ثوبَ الفخامة بل أزكاهمُ نسبا
فالمُلْك ملكك، والأكوان خاضعةٌ
والعزُّ عِزُّك سبحان الذي وهبا
فما حللتَ بأرضٍ أو مررت بها
إلاَّ وسايرك الإسعاد واصطحبا
شأنُ الملوك إذا قرَّت عيونهمُ
بالمُلْك أن يملكوا الأجسام والرُّتبا
في كلِّ قلبٍ من الإجلال نحوكمُ
ما لا يحيط به من عدَّ أو كتبا
وكلُّ لفظٍ بديعٍ لا يقارنه
معناه إن حاد عن علياك وا عجبا
لا يُعرَفُ الفضلُ إلاّ في ربوعكمُ
والغير إن عزَّه لم يستطع طلبا
أنتم حماة الورى من حُطتموه نجا
وفازَ بالقُرب من مغناكمُ وربا
لا يملأ العينَ إلاَّ نورُ بِشْرِكمُ
وما سواه - لعمرُ الله - محضُ هبا
لو قيل من ساد أهلَ العصر قاطبةً؟
حِلماً وعلمًا ومنْ أعلاهمُ حسبا
لقلتُ ذاك أمير المؤمنين ومن
صارت صفاتُ العلا جزماً له لقبا
موْلايَ يوسفُ نور العصر نخبته
تاج الملوك وأعلى خيرهم أدبا
إن خاطبَتْهُ خصال الخير قرَّ بها
عيناً وإن سامه داعي الضَّلال أبى
برٌّ بذمته يهوى تقدَّمها
لذا نراه على إصلاحها دأبا
من فكره انبعثت روحُ التَّمدن في
عصرٍ بهمَّته إهماله ذهبا
بعدله ابتهج الإسلامُ وانتشرت
راياته وتولَّى الجهلَ واحتجبا
فرْدُ الجلالة مرفوع المكانة مَيْ
مونُ المجادة وهَّابٌ لما كسبا
لا سيَّما إن بدا نجم السعادة مُفْ
تَرَّ المباسم يَهدي العُجْم والعَرَبا
في ليلةٍ حفظ الإسلام حرمتَها
إذ كان طالعها في أصلها سببا
في ليلةٍ أسفرت عن درَّةٍ بهرت
أنوارها وفَرَتْ أفراحُها الوصبا
في ليلةٍ لم يزل يُحيي مواسمَها
من هام وجداً بها من أهلها وصَبا
مثل الهُمام أبي يعقوبَ حيث دعا
لحضرة المُلْك فيها نخبةَ النُّخبا
أفاض محتسباً فيها بحور ندًى
وهل تظنُّ بما لشخصه انتسبا
فيها تلألأ نور المصطفى وبدت
شمسُ النبوءة وارتدَّ الردى وكَبَا
فيها طفا الحقُّ وامتازت معالمه
والشِّركُ من أجلها لحينه رسبا
قامت على صدقه من قبل بعثته
أدلَّةٌ أسلست من بُعدها الطَّلبا
فلستُ أذكر إرهاصاً لشهرته
والمعجزات توالى ذكرُها حقبا
فهل يزيدك تسبيحُ الحصى ثقةً
وهل يزيدك نبع الماء بعضَ نبا
كان الأمين وما زالت أمانته
تُدني له كلَّ قلبٍ ندَّ وانقلبا
ما نال منه صباه غيرَ مكرمةٍ
يمشي الهُوينا، وتمشي نحوه الخَبَبا
حتى أتى الله بالفتح المبين فنا
دى قومَه داعياً للَّه منتدبا
يا قومُ إنّي رسول الله أُرشِدكم
إلى الهدى فتولَّوا عنه أيدي سبا
واستنكفوا أن يكونوا تابعيه وقد
كانوا رؤوساً يُروا مَن دونهم ذنبا
والدِّين يومئذٍ في مهد نشأته
ينمو وإن بعدوا عن هديه اقتربا
حلَّت بشاشته قلبَ الموفَّق من
سَراتهم فتعالى شأنهم وشبا
أعْظِم به من نبيّ طاب عنصره
ومن زكيٍّ بإكليل الهدى اعتصبا