تخطَّ إلى المحتوى

قالت لجارتها

غير معروف

٣٨ بيت

المتفرقات

قالت لجارتها

يوما تسائلها

عنّي ، و في طرفها الوسنان أشجان

ما بال الفتى في الدّار معتزلا

كما توحّد نسّاك و رهبان

يأتي المساء عليه و هو مكتئب

و يرجع اللّيل عنه و هو حيران

يمرّ بالقرب منّا لا يكلّمنا

و للحديث مجال ، و هو ملسان

و إن نكلّمه لا يفقه مقالتنا

إلاّ كما يفقه التّسبيح سكران

إذا تبسّم ، لا تبدو نواجده

و إن بكى ، فله نزع و إرنان

كأنّما كلّ عضو فيه بركان

فلا ابتسام ذوات الغنج يطربه

و لا ابنه الحان تصيبه و لا الحان

أماله أمل حلو يلذّ به

كما تلذّ بمرأى النّور أجفان

أماله جيرة في الأرض يألفهم

يا جارتي ، كان لي أهل و جيران

فنبّت الحرب ما بيني و بينهم

كما تقطّع أمراس و خيطان

فاليوم كلّ الذي في مهجتي ألم

و كلّ ما حولهم بؤس و أحزان

و كان لي أمل إذا كان لي وطن

فيه لنفسي لبانات و خلّان

فجرّدته اللّيالي من محاسنه

كما يعرّى من الأشجار بستان

فلا المغاني التي أشتاق رؤيتها

تلك المغاني ، و لا السّكان سكّان

لو المروءة تدري أيّ فاجعة

بالشام ، ناح عليها الإنس و الجان

و لو يبثّ بنو لوعتهم

لاهتزّت الأرض لمّا اهتزّ لبنان

قالت : شكوت الذي بالخلق كلّهم

و ما كذبتك إنّ الحرب طوفان

تساوت الناس في البلوى ، فقلت لها

هيهات ، ما هان قوم مثلما هانوا

أمن يموت و لا ستر يظلّله

كمن عليه أكاليل و تيجان ؟

قالت ، و يا ويح نفسي من مقالتها

كفكف دموعك ، بعض الحزن أهوان

لو كان قومك أهلا للحياة لما

ماتوا و في أرضهم ترك و ألمان

و كلّ من لا يرى في الذّلّ منقصة

لا يستحقّ بأن يبكيه إنسان

كفّي ملامك يا حسناء و اتّئدي

فإنّ مدح ذوي العدوان عدوان

و أنت من أمّة تأبى خلائقها

أن يقتل الطّير في الأقفاص سجّان

و إنّ قومي طيور غير كاسرة

سطت عليها شواهين و عقبان

لا تحسبي أنّني أبكي لمصرعهم

فكلّنا للرّدى شيب و شبّان

لكن بكيت من الباغي يعذّبهم

و هم شيوخ و أطفال و نسوان

ورحت أشكو إليها و هي ساهية

لكنّما قلبها الخفّاق يقظان

حتّى انتهيت فصاحت و هي مجهشة

يا ليت ما قلته زور و بهتان

بل ليتني لم أسائل عنه جارتنا

بل ليت قلبي إذ ساءلت صوّان

ياليت شعري و هذي الحرب قائمة

هل تنجلي و لنا في الشّام إخوان ؟

و هل تعود إلى لبنان بهجته

و هل أعود و في لبنان نيسان ؟

فأسمع الطير تشدو في خمائله

و أبصر الحقل فيه الشّيخ و البان ؟

بني بلادي ، و لا أدعو بخيلكم

غير البخيل له قلب ووجدان

بني بلادي ، و لا أدعو جبانكم

ما للجبان و لا لي فيه إيمان

بني بلادي ، و كم أدعو ...! أليس لكم

كسائر الخلق أكباد و آذان ؟

لا تضحكوا و بأرض الشّام نائحة

و لا تناموا و في لبنان سهران !