ذهلتُ ملوَّعًا وعلا انتحابي
عشيَّة فَقْدِكم «عبدَالوهَابِ»!
وصرتُ إلى الظهيرة لست أدري
طريقيَ في الكلام وفي الجواب
وها أنا بين أيديكم حزينٌ
ودمعي قد ينوبُ عن الخِطاب
أهمُّ بأن أحدِّثَ عن فؤادي
فيمنعُني الإبانةَ بعضُ ما بي
فإن عجَزَ اللسانُ اليومَ مني
وضاق الشّعر عن ردِّ الجواب
فعذري أنني بكمُ مصابٌ
جليلُ الرّزْءِ أفقدَني صوابي
بموتكَ قد فقدْنا اليومَ عزّاً
وكنزًا لا يُحدَّدُ بالحساب
فقدْنا اليومَ شمسًا قد أضاءتْ
وعلمًا فيضُه غرُّ السحاب
وفهمًا ثاقبًا ومدًى بعيدًا
ولُبّاً دونه لبُّ اللُّباب
وصدرًا واسعًا وتُقًى وفضلاً
وعقلاً دونه ثِقَلُ الهِضاب
لقد خسرتْ بك الأشبالُ ليْثًا
منيعًا ساحهُ في كلّ غاب
لقد خسرتْ بك الأحلامُ طودًا
تُطأطِئُ تحته شمُّ الروابي
لقد خسرتْ بك الأوطان حَبْرًا
عظيمًا في الحديث وفي الكتاب
مع الأيام قد سجَّلتَ فضلاً
ستعدمُ مثلَه عينُ القباب
لقد ألقى الزِّمامَ إليك فِقْهٌ
وبحرُ الفقه جيّاش العُباب
فتدهشُ في الأصول وأنت ثَبْتٌ
وتسحرُ في الحواشي واللُّباب
حفظتَ الذكرَ ترتيلاً وفهمًا
وتجويدًا تعلَّق بالسّحاب
وفقْتَ به الأنامَ وكنت فردًا
فنُطقكَ آيةُ العَجَبِ العُجاب
تُحدِّثُ والحديثُ له جلالٌ
تطأطئُ عنده كلُّ الرِّقاب
عزيمةُ أغلبٍ والجسمُ نِضْوٌ
وسطوةُ فارسٍ بطلٍ مُهاب
لقد عرفَتْ بك الأقوامُ بَرّاً
رؤوفًا بالصّغار وبالشباب
شديدًا في الحدود بلا مِراءٍ
على خير الأحبَّةِ والصِّحاب
تصيحُ إذا رأيت القوم مالوا
وتبطش بطشةَ الأُسْد الغِضاب
تصارحُ لا تميلُ إلى رياءٍ
ولم تغشَ القصورَ ولم تُحاب
يهابكَ من يراكَ على انفرادٍ
وأنت تسيرُ وحدَك باتِّئاب
لقد يتَّمتَ أطفالاً صغارًا
رأَوْكَ أباهُمُ عند الصِّعاب
تركتَ مطيَّةَ الإحسان فوضى
فمن سيكون مثلَكَ في الرِّكاب!؟
تفتِّشُ عن فقير الحيِّ فينا
وتطرقُ بابَه بعد الغياب
فيمسي هانئًا من بعد ضيقٍ
ويبسمُ خلفَه ثغرُ الكَعاب
فللهِ الأراملُ قد أطلَّتْ
توزِّع دمعَها خلفَ الحجاب
وأطفالٌ هنالك قد أراقوا
غزيرَ الدمع يُمزجُ بالرّضاب
ومرضَى في الأسرَّة قد تباكوا
رأوا في فقْدِكم قُرْبَ التَّباب
لقد كنتَ الدواءَ لهم جميعًا
فنلْتَ لأجلهم كنزَ الثواب
عليك تحيةُ الرحمنِ غيْثًا
يُروِّي ماؤُه كلَّ التّراب