ديوان الماحي الدمياطي
سبحان الوهَّابِ العاطي!
ولبيت الماحي صِيتٌ في
تربية البطِّ الزَّغاطو
قد سمعنا عن بطكم ما سمعنا
فأكَلنا بالأُذْن حتى شبِعْنا
غير أن الأفواه تنطق هَمْسًا:
ما عرفنا لذلك البط مَعْنى
يا أبا مُصْطفى، عليك سلامٌ
أفَيُرْضيك أن شبعتَ وجُعْنا؟
مع الناسَ كلَّهم بطُّك النا
ضِحُ دُهنًا، لكنه لم يسعْنا
جُدْ علينا ولو بطيفِ جَنَاح
لا تَدَعْنَا نشكو الطوى، لا تدعنا!
نحن في عَهْدِ أزمة وغلاءٍ
قد رهنَّا فيه المتاع وبعنا
نحن قوم لنا العفافُ شِعَارٌ
إن سُقينَا حِسَاءَ بطٍ قنعنا
وإذا نالنا كَرِيمٌ بإِحسا
نٍ شكرْنَا صنيعَهُ وأذعنا
ونذيق البخيل هَجْوًا وبَيِلاً
مِثْلَ حدِّ السلاح ضربًا وطعنا
صاح، لا عذر بعد هذا، فَقُلْ لي:
قد سمعنا ما قلتَهُ وأطعنا
يا أخي، يا غنيمُ، رِفْقًا بحالي
إن عبد السلام بات يُغَالي
لا تصدقْ ما قالَهُ، يا صديقي
إنه شاعرٌ رحيب الخيال
لم يزرني ولم أزره، ولكن
هاجه الشوقُ للطعام الغالي
كان فيما مضى يقدِّمُ بطٌّ
ودَجَاجٌّ محمَّرٌ في المقالي
يومَ كان الزمان سهلاً رَخيًّا
لا يمر الغلاء فيه ببال
فَغَدَا البطُّ والدجاج كما تَعْ
لم ضربين من ضُرُوب المحال
غير أني وقد تَصَوَّرتُ ما قا
ل صحيحًا أراه سَهْلَ المنال
لك عندي وللصديق شِهَابٌ
أسمنُ البطِّ في قريب الليالي
ولمن شئت من مُحبيك طُرًّا
أنا والله لست بالبخَّال
فاقترح، يا أخي فديتُكَ يومًا
واختبر إن شكَكْت صِدْقَ مقالي
أيها الشاعر الرقيق الحال
أنا لم أدْرِ أن جيبَك خالي
أنت قَدْ بِتَّ تدَّعي الفَقْرَ حتىَّ
كِدْتُ أهدي إليك قوتَ عيالي
ما طلبنا إليك ذبح فَصِيليْ
ن، وفَحلينِ من فُحُول الجمال
بل طلبنا جنَاح أنثى من البطِّ
إلى الله تَشْتَكِي من هُزال
فعلام الأسى، وطولُ التَّشَاكي
والتَّباكي على الزمانِ الخالي؟
لَسْتَ ممن يدعو الضيوفَ بقلبٍ
بل بقول ممزَّقِ الأوصال
لست ممن يدعو بطرفٍ قريرٍ
بل بطرفٍ ذي مَدْمَع سَيَّال
مُومِئًا نحوَ باب دارك للضي
ف بِيُمْناك، طَارِدًا بالشِّمَال
والكريم الكريم يدعو بقلب
ثابتٍ ثابت ثبَاتَ الجبال
يا ابن دِمْيَاطَ، إنَّ دمْيَاطَ
إنْ عدَّت بنيها تعدَّك ابن حلال
إن دمياط مَهْبِطُ الشِّعرِ، لكن
هي في الحرص مضربُ الأمثالَ
إِن أنْجَالَهَا كَثِيرٌ، ولكن
أنت، يا صَاح، أنْجَبُ الأنجال
يكرُهَا أنتَ حِكْمَةً وبيانًا
وفتاها حِرْصًا على الأموال
صاح دَعْني من أكل بطِّك، دَعْني
أوثِر الجوعَ، إن عِرْضِيَ غالي!
يا صديقي، لقد عهدتُكَ عَدْلاً
منصفًا في المقَال والأفعال
أنا لا أشتكي كما قلت فقْرًا
لا، ولا البُخْلُ خَصْلَةً من خصالي
فلم الجور والتشكُّكُ فيما
سُقْتَه باكيا لِرِقَهِ حالي؟
فيم نُكْرَانُك الغلاءَ، وكلُّ ال
ناس يشكون من أذى مغتال؟
فإِذا لم تحسَّهُ، فهنيئًا
لكَ ما قد جمعتَ من أموال
أنا عندي من القناعة كَنْزٌ
ومن الله فضلِّه المتوالي
إن دمياط ذاتُ جد، وقَصْدٍ
لا لحرص، ولا لِسُوءِ فعال
تضع الحقَّ في النِّصَاب، ولا تف
عل فعل الأغفَال والجُهَّال
هل أُجَارِيك في دُعَابَتِك الحرَّ
ى، وأنت المُدَاعِبُ المتغالي
لا، وحسبي أنِّي أعُودُ إلى دَعْ
وتِكَ اليوم، صادِقًا في سؤَالي
معَ مَنْ شِئْتَ مِنْ محبيك، أنِّي
لا أماري، ولست بالبخَّال
فاقترح، يا أخي فديتُك يومًا
واختبر إِن شككت صدقَ مقالي
يا أخي، يا غنيم، سامحك الل
ه! فما كنتُ يا أخي بالشَّحَاح
كم قصيد دَبَّجْته كنتَ فيهِ
مَثَلاً في براعة اللَّمَّاح
تحسب البط نعمةَ الله، حتى
بِتَّ ترضى بريشة من جنَاح
مَرَّةً تطلب الحِساءَ، وأُخْرى
تَتَغَنَّى بالبط في إِفصاح
أتُرى: ليس في البسيطة شيءُ
يملأُ البطنَ غير بط الماحي؟
إِن ذكرت الغلاءَ يومًا تشكك
ت، وبالغتَ في مقالةِ لاحي
ورفعتَ السياط حتى كأني
جئت ذنبًا فوق الرضا والسماح
كم تأتُّي مستنفرًا في حديث
خَالِبٍ للعقول والأرواح
في خيال مُجنَّح، وبيان
أين منه بلاغة الوضَّاح؟
صغت فيه ملاحِمًا وحِكايا
ت تجلت في أجمل الأوضاح
ولقد كدتُ أحْرَنُ اليوم حتى
أتلقى العِتَاب كل صباح
فهو عتب مُحبَّبٌ بل نكاتٌ
مُسْكِرَاتٌ للنفس مثل الراح
غير أني أعودُ ألمحُ ما يس
فر عنه البيان من إلْحَاح
فَسَلِ الرحمة التي أمر الله
بها؛ فَهْيَ شيمة السمَّاح
فاقترح يا أخي فديتك يومًا
واختبر إن شككت صِدْق الماحي
يقولون: ما للشعر غاض معِينُه
وكنتَ تقول الشعر في البط محكَما؟
فقلت لهم: قد كان جوعَي مُلْهِمِي
فلما أكلت البط؛ لم ألق مُلْهِما
فلا شُكْرَ للماحي إذا لم يُثنِّها
فإِن هو ثَنَّى كان أسْخَى وأكرما
وإلا فإنا قائلون لِبَطِّهِ:
«إلى حيث ألْقَتْ رحلَها أم قشعما»
وأهونُ من هذا لدَيَّ: لوَ أننَي
حفرت بظُفْري في الجَنَادِل مَنْجِما
له الله بطا صِدْتُه بقصائدٍ
تكاد تصِيدُ النَّجْم من كبد السَّمَا!