ضَوِّ الزُّجاجةَ إن ضوءُ الصباحِ أبى
لا تكذِبنّ فليس العيشُ ما ذهبا
أما ترى كيف جاء الدهر معتتباً
واليومُ مبتسماً والجوُّ منتقباً؟
كأنما سَحَرَ الإدلاجُ مُقلتَهُ
أو جاذَبتْهُ حواشي الليل فانتحَبا
فامزُج بجودكَ إملاقي فإنّ له
جمراً إذا لمستْهُ راحتاكَ خَبا
كم صاح جودُكَ بي واليأس مُعترضاً
ولانَ عطفكَ لي والسيفُ مُخْتِضبا
ونالَني منكَ معروفٌ على عدَمٍ
لولا احتفاؤكَ بي ما جاز لي طَنَبا
ولو رُهنتُ وما أحويه من نَشَبٍ
على غدائكَ يوماً لم تَنَم سَغِبا
وما نأمْتُ بشِعري أستميحُ به
إلاّ ليعلَمَ فضْلي شرّ ما اكتسبا
ولا مدحتُ الأُلى دوني لحُبِّهِمِ
إذا ابتغى البازُ صيداً جاءه كَثبا
رفعتُ قوماً بشِعري وانخفضتُ به
كالغَيم شَمّ الثَّرى يستصعد العُشُبا
لا مرحباً بالأماني إنْ رفعتُ لها
رأسي، وقائمُ سيفي من يَديَّ كَبا
فما يُهابُكَ صدرٌ لستَ مالئه
ولا يُطيعُكَ قلبٌ لم يَطِرُ رُعُبا
أيَطمعُ الدهرُ في عطفي وقد سفرتْ
عنّي الثلاثونَ واعتضْتُ الزمان أبا؟
مهلاً فإنّكَ ما أوليتَ من حَسَنٍ
باقٍ عليك وخيرُ المالِ ما رَتَبا
لا تأمننَّ صروفَ الدهر إنْ رَقَدتْ
وسورةَ المُلكِ إنْ شيطانُها رَكبا
إذا رأيتَ أكفَّ الأُسْدِ داميةً
منَ الفَريس فلا تستبعدِ السغَبا
ومَهْمهٍ سرتُ فيه والبِساطُ دمٌ
والجوُّ نقْعٌ وهاماتُ الرجالِ رُبا
وللمنايا ضجيجٌ في مَخارقِهِ
ما صُمَّ عنهُ العوالي أسمعَ القُضُبا
لا ألبسُ العِزّ إلا وهْوَ مستلَبٌ
ولا أزيغُ قِرىً إلاّ إذا اغتصبا
حتى هتكْتُ رِواقُ المُلكِ عن شَرِسٍ
يُرضي السيوفَ من الجاني إذا غَضبا
إيهاً أبا طاهرٍ هذا مقامُ ندىً
لا خيرَ في الجود ما لم يسبق الطلبا
أنهِبْ أكُفَّ المُنى ما كان من ذّهَبٍ
لا ينهَبُ الحمد من لم يُنهبِ الذَّهبا
أنائمٌ أنتَ عن شِعري وقد ملأت
به الرواةُ صُدورَ الناس والكُتُبا
ما زِلتَ تبسطُ آمالي وتُؤنِسُها
حتى ظننتكَ منها أو بها وصِبا
ثم انحرفتَ كأنا لم نكُنْ أبداً
على صفاءٍ كذا الدنيا ولا عَجَبا
إذا بخِلتَ فمنْ نرجو لمكرُمةٍ
وإنْ غضبتَ فمن نُرضي إذا عَتبا؟
ليَهنِكَ الظَّفرُ الميمونُ طائرُه
يا أنصفَ الناسِ سلطاناً إذا غَلبا
لما سمعتَ دُعاءً لم يكن مَلَقاً
ورَنَّةٍ من زئيرٍ ينفُضُ القَصبا
أعملتَ رأيكَ في أمرينِ أيُّهما
فيه السَّدادُ وكان الأحزمُ الهَرَبا
أبدى لكَ الله عمّا في نُفوسِهِمُ
حتى كأنّ على أسرارهمُ رُقْبا
هَزّزكَ غِرّاً ولو هزّوك مُنْصَلِتاً
تحتَ العَجاجة يوماً أكثروا العَطَبا
إذاً لصَدَّهُمُ عن وِرْدِهِمْ أَسَدٌ
شاكُ البراثن إن طال المَدى وثبا
يا أكثرَ الناس معروفاً وأخيرَهم
فِعلاً، وأكرمَهُمُ أصلاً إذا نُسبا
أطِلْ إليّ يداً لو كنتَ باسطَها
حَسبُ الذي تقتضيه طالتِ الشُّهُبا