ظمئتُ للكأس يهواني وأهواه
على المشيب وما جفّت محيّاهُ
بُقيا صبابات عهدٍ في براءتها
وما حياتيَ لولاها ولولاه
تلك الدروب التي زاملتُ محنتَها
بستانُ حبٍّ زرعناه وعشناه
في مولد العطر ميلادُ الهوى وعلى
تلك الشّفاه ترشّفنا مناياه
تلفّتَ القلب منا وارتوتْ مُقلٌ
وليس في ركبنا قيسٌ وليلاه
واخضرّتِ الأرض واخضلّت جوانبها
والبحر في غفوات الجزْر جُبناه
واستلهم القلبُ صوتًا ما عهدناه
لكنما بلبل الأغصان زكّاه
والشعر مزرعةٌ في النفس ناميةٌ
ساقاه من كوثر الفردوس مولاه
إنا ركبناه بحرًا لاضفافَ له
وكم بحثنا ولم ندرك خفاياه!
والنفسُ كالبحر في أعماق جوهرها
وفي زوارقها ربّانها تاهوا
والعبقريّ المعنّى في حقائقها
ما زال تحتلب الظلماءَ عيناه
والشعر صحوة أفكارٍ معذّبةٍ
وليس شيطان نفسٍ مذ عرفناه
أغلى وأثمن من دنياك دنياه
ما كان أفقرَه ما كان أغناه
ما قيمةُ اللفظ مزهوًا على شفةٍ
مخضوبةٍ حيث لا يحياه معناه
تلك الحضارات مجّ الدهر خمرتها
وما ارعوينا وما زالت ضحاياه
والنفسُ كالطير والتاريخ مسرحها
والحبّ والشعر في الدنيا جناحاه
سألت نفسيَ والآمال تنشرها
على بساطٍ من الذكرى طويناه
من حرّك العود والأنغامُ غافيةٌ
وألهم البلبل الغِرّيد نجواه
من خاط للأنجم الزهراء بُردتها
وألبس الغصن ديباجًا وعرّاه
من ترجمَ الصّمت قرآنًا نقدّسه
أعيا البليغ بمعناه ومبناه
وللطبيعة سرٌّ لو شرحناه
لجاد محمودُ نعماها ونعماه
حاولتُ أعتصر اللذاتِ خالصةً
وأنتقي من جمان الشعر أغلاه
لولا البياضُ ولولا عِمَّةٌ أخذت
عليّ عهدًا وقرآنٌ تلوناه
لولا شؤونٌ على ضيمٍ نكابدها
وللأنام أحاديثٌ وأفواه
لأينعت شجرات الحبّ وارفةً
على جداول حبٍّ قد عقدناه
إن الخيال سخيٌّ في مواهبه
لولا جراحيَ لانهلَّت عطاياه