نام السنا فوق الجداول مرّةً
وأذاب في أمواجها أحلامَهُ
والشاعرُ العربيد سار بلا خُطًى
يُملي على سمع الظلام غرامه
والليل كاهن صبوةٍ مجنونةٍ
يغري بنا ملء الكؤوس مُدامه
وكأن قلبي حين رقّ غمامةٌ
شردتْ وطيفٌ لا يحبّ مقامه
يهفو إذا ما الليلُ جنّ إلى هوًى
دامٍ يُذيب على الربا إلهامه
كأسٌ من الخمر المقدّسة التي
ضنَّ الزمانُ بها فضلَّ مرامه
ما ضمّها قدحٌ ولا طافت بها
حسناءُ تُشعل في النديم هيامه
وكأنني روحٌ مجنّحة الرؤى
أغرى بها الوادي الطروب يَمامه
فإذا هفت للعشّ مال بها الأسى
عن دفئه ورمى لها أوهامه
فمضت بها زادًا كحسوة طائرٍ
من منهلٍ خَبَأ الظلامُ حَمامه
يا ويحَ نُسّاك الدجى لما سرى
قلقَ الخطى والليلُ يسكب جامه
والظلمةُ الهوجاء تنسج في الثرى
شتّى شُخوصٍ لا تبين أمامه
أفكاره جُسِّمنَ بين حزينةٍ
ثكلى وأخرى فَزّعت أقدامه
وكأنه في معبدٍ عصفتْ به
ريحُ المنون وهدَّمت أصنامه
تتعذّب الأشباحُ في جنباته
لهفى وقد بسط الهوانُ ظلامه
دنيا من الشجن المبرِّح والجوى
هدمتْ قواه وشرَّدت أنغامه
أو لم يكن بالأمس ساجعَ دوحةٍ
يهدي إلى قلب الوجود بَغامه
وأليفَ مرجٍ كم يصافح فوقه
بَهَجَ الصباحِ وزهره وغمامه
جوّابَ آفاقٍ وروح خميلةٍ
تهديه في غرس الحياة كلامه
فإذا به والريحُ تعصف والدجى
عاتٍ يسدِّد في القلوب سهامه
شبحٌ من الماضي البعيد مولّهٌ
ملأتْ تباريحُ النوى أيامه
فسرى وقد تَخِذَ الحنينَ مطيّةً
ورمى إلى الليل البهيم ظلامه
فحبتْه أمواجُ الظلام قصيدةً
ضمنتْ له في الخالدين مقامه
فلعل أنوار الصباح تزفّه
في موكبٍ غمر السنا أعلامه