ناحتِ الشمسُ على عامِ مضَى
ثم ذابت حمرةً في الأفق
وأفاضَتْ مِن شجاها زفرَةً
صبغت أنوارها بالشَّفق
ووراء الأفق بحرٌ صاخبٌ
يتلظّى بالبِلي المصطفق
تسبح الأجيال في تَيَّاره
فلكه مُضْطَربٌ في نزق
فإذا ما لعبَ الْبَحرُ به
ترجفُ الدُّنيَا له من فرق
فهنا عام وقد ملَّ السُّرى
فانزوى خلف سجافِ الغَسَّق
لاهثاً أكدى وللدهر يَدٌ
بِعصور سلفت لم تُشفق
يا لِغَرْقَى ذهب الماضي بِهم
وذكاءٌ في ذهول المطرق
كل عامِ تُرْسل الدَّمْع على
راحلِ أحرزَ قصبَ السَّبَق
فإذا العام توارى غَرقَتْ
لِتُحَييِّ فجرَ عامِ مُشرِق
هكذا المقدور يجري حكمه
يا ليالي للبِلى فاَنْطَلقي
واتركي خلفكِ ذِكرى ربمَّا
كانت النور على المْفُتْرَق
واقرئي من صُوَر الماضي لنا
عِبَراً تَجلْو الصُّوى في الطرقِ
فهُنا عامٌ وهذا فجره
هلَّ موفورَ السَّنا والفَلقِ
تلعبُ الآمالُ في أعطافِه
مُشْرقاتٍ في إهابٍ يَفَق
مُشرئبَّاتِ وفي مَطلعها
غرةُ الصُبح المنير المونق
والشَّذا الفَوَّاح في موْكبها
عاطرَ الأنفاس زاكي العَبَق
والسَّنا الضَّاحك في أفيائها
يغمر الدنيا بسحرِ الرَّوْنقِ
طلعةٌ والصبح من إشراقها
لِسوى عذبِ المنى لم تُخْلَق
ذكَّرتني، رُب ذكرى رقصت
بِحنايا ذائبٍ مُحْتَرق
ذكَّرتني، موكب النور سرى
وَضَحاً يغزو الدُّجىٰ كالفَيْلَقِ
ذكَّرتني الغار في جوف الدُّجىٰ
وبه النصر الذي لم يُخْفِق
ذكَّرتني المُصْطَفَىٰ مُختبئاً
يرقب الصُّبح وَلمَّا يَبْثُق
ذكَّرتني صرخةَ الحقِّ وقد
كُبِتَتْ لكنها لم تُخْنَق
هاجرَ المْختار من موطنهِ
مرهفَ العزمِ، قويَّ المنطق
فانتضى من عزمة الحق الظُّباَ
جاهدتْ صفاً فلم يفَتَرق
جمعت شمل الأولَىٰ شادوا لَنَا
صرْحَ مجدٍ، وسلامٍ مُشرقِ
ضله الأهواء لا تجني سِوىٰ
خرقٍ، يا بئسَهُ من خرق
فاتركوا الأحقاد واحْتَثُّوا الخطَىٰ
إنَّما الَضِّغْنُ سِلاَحُ المُخْفق
هجرة المختارِ ذكرى فيْضُهَا
بات يَهْمي بالسّنَا الْمُنْبَثق