أيُّها الحَائِرُ لا تَدري بِما كانَ وكُنتا
خَبْطَ عَشواءٍ وفي دَوَّامَةِ الوَهمِ سَكَنْتا
خائضًا في بَحرِها لم تَلقَ مَرسًى أو عَبَرتَا
لَستَ تَدري أنتَ طَيفٌ في الرُّؤى أمْ أنتَ أنتا
هَلْ إذا ما مِتَّ قد مِتَّ أمِ الآنَ وُلِدْتا
أو إذا ما كنتَ شيئًا قَبلَ هذا لَستَ تَدري
إنَّما مِثْلُكَ قَوْمٌ قد أناخُوا في فَلاةِ
ثُمَّ تَاهُوا وخَوَتْ أبصَارُهُمْ بَيْنَ الجِهاتِ
فَأَتَاهُمْ هادِيَ العُميِ على حِينِ التِفاتِ
أصدَقُ القَومِ وأعلاهُمْ بِأسرارِ السُّرَاةِ
بالمَصابيحِ جَلِيَّاتِ الهُدى والبَيِّنَاتِ
قالَ يا قَومِ اتْبَعوني أَهْدِكُمْ سُبْلَ النَّجَاةِ
فَأَمَالوا ثُمَّ قالوا في عِنادٍ لَستَ تَدري
إنَّ هذا الكَونَ خَلقٌ
حادِثٌ فيهِ الوُجودْ
لا تَرَى فيهِ اختِلافًا في قَريبٍ أو بَعيدْ
فانظُرِ الأجرامَ تَجري في مَسارٍ لا يَحيدْ
أتُراها انطَلَقَتْ في الكَون مِنْ غَيرِ مُريدْ
أم بَرَاها مُبدِعٌ أحكَمَ فيها ما يُريدْ
لِمَ لا تَسأَلُ في مَنطِقِكَ القَصرَ المَشيدْ
هل بَنى أركانَهُ من دُونِ بَنَّاءٍ رَشيدْ
وكَسَا حيطانَهُ النَّخلَ وأصنافَ الوُرودْ
لو تَخِذْتَ العَقلَ بابًا دونَ حُجْبٍ وقُيودْ
وخَلَعتَ الوَهْمَ لم تَرجِعْ بِإنِّي لَستُ أدري
هذهِ الدُّنيا جَوازٌ للنَّواصي في ابتِلاءِ
تَدخُلُ الكُتَّابَ فيها بِدُروسٍ مِنْ عَنَاءِ
كُلُّ فَصلٍ بعدَ فَصلٍ فَوقَهُ دَارُ البَقاءِ
ولَكَ الأَمرُ بِأَنْ تَرقى إلى قُدسِ السَّماءِ
أو بِأنْ تَهوي بِتَسويفِكَ في دَرْكِ الشَّقاءِ
يَومَ لا يَنفَعُ نَفسًا قَولُ إنِّي لَستُ أدري
«جِئتَ لا تَعلمُ مِنْ أينَ ولكنِّي» عَلِمتُ
إنَّهُ اللهُ الَّذي عَلَّمَني ما قَدْ جَهِلْتُ
وهَداني سُبُلَ الحَقِّ اختِيارًا فقَبِلْتُ
وعلى بَيِّنَةٍ ما سِرْتُ فَجًّا أو نَزَلْتُ
وهو قَصدي ولَهُ الفَضلُ بِتَوجيهِ المَسيرْ
وإلى اللهِ ارتِحالي ورُجوعي والمَصيرْ
ولَهُ الحَمدُ بأنِّي بَعدَ جَهلٍ صِرتُ أدري
يا إلهي لَستُ أرجو في غَدي إلا رِضَاكَا
أيْنَما وَجَّهتُ وَجهي في تَسابيحي أرَاكَا
تَنطِقُ الأفلاكُ جَهرًا بِتَراتيلِ عُلاكَا
أنَّكَ الفَردُ .. وإنِّي شَهِدَتْ رُوحي بِذاكَا
وتُصَلِّي في خُشُوعٍ: ضَلَّ من يَدعو سِوَاكا
فَاهْدِ يا رَبِّ قُلُوبًا
مُنتَهاها لستُ أدري