هَا هيَ اليومَ الإماراتُ اكتَسَتْ ثَوباً بَهيّا
وَ حَبَاهَا اللَّهُ فِي الآنَامِ حُسناً أَبدِيّا
وَبَديعُ الصُّنعِ يكسُو وَجهَها سِرّاً خَفِيّا
بَلَغَتْ مِن هَامةِ العَلياءِ شَأْناً عَالَميّا
فَتَباهَتْ بَينَ أَهلِ الأَرضِ فَضلاً ورُقِيّا
وَمَشَتْ تَسحَبُ ذَيلَ الفَخرِ تَاجاً مَلَكيّا
وَتَحلَّتْ بصُنوفِ الخَيرِ وَالنُّعمَى حُلِيّا
وَتَغَنَّتْ بازدِهَارٍ لَمْ يكُنْ يَوماً جَنِيّا
يَرضعُ الإنسانُ في أحضَانِها ثَدْياً حَنِيّا
وَيُلاقِي عِندَها المَهدَ الذي يُؤْوي الضَّنِيّا
وَغَدِيرَ الرزّقِ عَذباً وَحَلالاً وَصَفيّا
فَحَنانُ الأمِّ مِنْ أَعطَافِها يَسطُو زَكِيّا
وَعَطَاءُ الحُبِّ مِن أعمَاقها يَنمُو نَقِيّا
مَنْ أتاها عَصرَها الأوَّلَ والعَهدَ المَضيّا
زَمَنَ القَسوَةِ والإجحَافِ مَرّاً عَاجِليّا
وَ رَآها قَبلَ هَذا المَجدِ وَالعِزِّ مَلِيّا
مَا رَأى فِيهَا عَدا بَرّاً وَرَملاً ذَهَبِيّا
وَ صَحارَى قَاحِلاتٍ لَمْ تَلِدْ غُصناً طَريّا
وَ قِفَاراً لم تَذُقْ في دَهرِها سَقْياً وَريّا
وَ سَماءً عَدِمَتُ قَطُّ النَّشاطَ الحَيَويّا
فَقدَتْ كلَّ معَاني الأَمنِ، والعيشَ الهَنِيّا
لَم يكُنْ عَيشاً رَضِيّاً، لا، ولا مَوتاً قَضِيّا
وجماعات من البدوان لا تعرف شيّا
في صراع همجي طاحن ردحا قصيا
ونزاع ضيع القوم ضياعا جاهليا
يوم إن كانت تسام المرَّ والويل البغيّا
والأسى والذلَّ والحرمان صبحا وعشيا
وسياط الظُلم تغزو دونها ظهراغبيا
وخبيث الدَّاء منها ساكن جسما هريا
فقدت كلَّ معاني الأمن، والعيش الهنيا
لم يكن عيشا رضيا، لا، ولا موتا قضيا
غَيرَ إن اللَّهَ أَعطَى الشِّعبَ عُمْراً ثانَويّا
حِينَ هَبَّ زايدٌ في حُكمِهَا شَيخاً أَبِيّا
وَ انْبرَى يَنهَجُ في تَعميرِها نَهجاً سَخيّا
وَ مَسيراً مُستَقِيماً عَادلاً مُستقبَلِيّا
بوفَاءٍ وصَفَاءٍ وبإخلاَصٍ تَزَيّا
مَدَّ للدَّولَةِ كَفّاً وفُؤَاداً أَبَويّا
وَ خُطَّى عِملاقةً جبِّارةً تَأْبَى التَّعِيّا
بَاذلاً كُلَّ نِفيسٍ لَمْ يُوَفِّرْ ثَمَّ شَيّا
نَاِفخاً في مَيْتِها الرُّوحَ وفي الحيِّ الدَّوِيّا
فَغدَتْ صَحراؤُها روَضاً وَصارَ القَفرُ حَيّا
وَ غَدَت ظَلمَاؤها بَعْدُ ضِياءً سَرمَديّا
وَ غَدَت وَحشَتُها تلكَ جَمالاً عبقَريّا
وَ تَبَدَّى كُلُّ عِرقٍ جَامدٍ نَبضاً فَتِيّا
وَتَبَدَّى ذَلكَ اليَأسُ حَراكاً عَمَليّا
فَإذا بالمَاءِ في بَيدائِها يُرْوِي الصَّدِيّا
وَ إِذا بالسِّحرِ في كُثَبانها يَسْرى نَديّا
وَ إِذا بالطَّيرِ في أَجوائِها تَشدُو شَجِيّا
لَمْلَمَ الشَّملَ وداوَى كُلُّ جُرحٍ زَمنِيّا
علَّمَ الإِنسَانَ فِي الخَلقِ سُلُوكاً بشَريّا
وَ أَزاحَ الظُّلمتينِ: الحِقدَ وَالجَهلَ الشَّقيّا
وَأَلاذَ الخَائفَ الأَحشاءَ وَالصَّدرَ التَّقيّا
ورَعَى في مُقلَةِ العَينِ الضَّعيفَ التَّبَعيّا
و بَنَى للاتِّحاد ههُنا صَرْحاً قَويّا
فَاستحَال خَوفُها أمناً وصُلحاً أخَويّا
وَ تَمشَّى الحُبُّ في أَرجَائِها حَيّاً فَحَيّا
وَجَرى النُّورُ عَلَى الآفاقِ يَستَجْلي الثُّريّا
وَ تَلَوَّى عَلَمُ التَّعلِيمِ خَفَّاقاً عَلِيّا
لَمْ يَعُدْ للبُؤسِ طَعْمٌ لَمْ تَعُدْ للجَهلِ رَيّا
زَايدٌ كانَ لِهَذي الأَرضِ نَفْخاً سَاحَريّا
بَذرةَ الخَيرِ ونَبْعَ العِزِّ والحَظَّ الثَّريّا
تَرجَمَ الآمالَ أعمَالاً وتَدبيراً سَنِيّا
وَ أَحَالَ الحُلُمَ المَفقُودَ فعلاً واقِعِيّا
وَ أذلَّ المُستَحيلَ الصَّعبَ إذلالاً عَتِيّا
فَنَمَا فِي ظِلِّهِ المُلكُ نُمّواً جَوهريّا
وَ حَضَاريّاً لَهُ شَدَّ انتَباهاً دُوَلِيّا
يَا غَمامَ الخَيرِ فينَا يا سِراجاً مُستَضِيّا
أَنتَ نَجمُ السَّعْد في تاريخِنَا يَسمُو جَليّا
ابتسَامٌ مُشرقٌ فِي أَرضِنَا يَعْلُو المُحَيّا
أَنتَ في هَذي البلاَدِ الكنزُ مَوهُوباً جَنيّا
أَنتَ لَولا (( لا نَبيّاً..)) كُنتَ للحقِّ نَبيّا
هَادياً بَينَ البَرايا بَلْ مَلاكاً قُدُسِيّا
دُمْتَ للأَجيالِ رَمزاً تَتلَقَّاهُ وَفيّا
وَمِثَالاً يُحتَذَى في النّاسِ بَل ذِكراً شَذيّا