دهى النيلَ ليلٌ فاستطال هجودهُ
وأورث جنبَيْه كلالاً رقودهُ
بساتينه باتت نواعسَ حوله
وأغفت بها أطياره ووروده
فلا ساجعاتُ الأيك فيها صوادحٌ
ولا الوردُ لَذُّ النفح ريّان عوده
ولا النبتُ مطرافٌ على الأرض يانعٌ
قشيبٌ ولا صوبُ الربيع يجوده
ولا الصبحُ طلق الوجه نضرٌ ولا الضحى
ضحوك السنا ضاحي المحيَّا سعيده
ولا النخل مزهوٌّ من العُجْب ناهضٌ
على النيل سُمْرٌ فارعاتٌ قُدوده
ولا النيلُ تأتيه إذا نصل الدجى
صباياه يملأنَ الجِرار وغِيده
يجود على الطير الغريب بمائه
وأطياره يزورُّ عنهنَّ جوده
فيا لأبٍ تُعطى الأباعدُ خيرَه
ويُحرَم من بين الأنام وليده
تَيقَّظَ من ناموا وأغفت عيونه
وذَلَّ وسادت بعد ذلٍّ عبيده
وأجناه عارًا في الحياة قعوده
وأنزله دار الهوان جموده
فلمّا دجا ليل الخطوب توثَّبتْ
تهائمُ واديه وهبّت نجوده
وفتَّح عينًا في الدنا فإذا بها
مضى مجده عنها وولّى تليده
وأغرى به أهل الطماعة أنهم
غَزَوْه فلم تزأر عليهم أسوده
فنادى بنيه الغُرّ هبّوا فأوفضت
جحاجحُه المستقتلون وصِيده
وأوقدها نارًا يغول دخانها
عدوًا طغت مثل الأتيّ جنوده
تيقّظ من نومٍ تطاولَ ليله
على نور فجرٍ قد أضاءت سعوده
أهاب بشطريه فلبَّاه بِيضُه
سيوفًا جرى فيها المضاء وسُوده
مساميحُ بالأرواح من كل صائلٍ
بسوح فخارٍ صال فيها جدوده
تيقّظَ وادي النيل بعدد سُباته
وفارقَه عند الصباح هُموده
وآبت إليه طيره فأثابها
سلافةَ وردٍ يُستلذّ وروده
حدائقُه اخضرَّت نماه غصونها
وورد الربا أحمرَّتْ حياءً خدوده
مرابعُه الفيح الحسان تبرَّجتْ
وجرَّرْنَ وشيًا ليس يبلى جديده
مناظرُ حُسنٍ تُونق العينَ بهجةً
وآلاءُ عيشٍ يُستطاب حميده