لا ترجمِ النّاس قولًا... واجتنبْ وزْرا
وجاهدِ النّفسَ عفوًا... تستزدْ شكْرا
كنْ أنتَ والصَّبر... فالأحلامُ شاهقةٌ
وأثقلُ الحلمِ: نفسٌ تمقتِ الصَّبْرا
فالعاجزون جنازاتٌ مؤجّلةٌ
وحاملُ المجدِ لنْ يبلى ولنْ يعرى
قالتْ: بُنيَّ... ، فحزتُ سرَّ حكمتِها
من نصحها كان لي أنْ أبلغ العمْرا
من تلكَ؟ قالوا: نراكَ قدْ عَظُمْتَ بها
لا تسألوا الحرفَ، تلكمْ جدَّتي "قدْرا"
بلغتُ مرِّيخَ أحلامي بحنكتِها
خريطة المجدِ أهدتني وبي أَسْرَى...
إنِّي لأعجنَ أفكاري... أُخمّرها
وأعصرُ العقلَ فكرًا يستقي فكرا
لا أدَّعي الوحيَ لكنْ ليْ بقافيتي
سرُّ الحروفِ التي تستلقفُ السحرا
لي والطّموحاتُ أرواحٌ مجنَّدةٌ
بلغتُ والدَّرب فيها الغايةَ الكبرى
عبرتُ صحراء عمري دون قافلةٍ
مائي سرابٌ وحظِّي لمْ أنلْ أجْرا
من كوّة الجرحِ جئتُ حاملًا وجعي
طول المسافاتِ أروي خافقي جمْرا
حولي الفضاءاتُ تمضي دون أجنحةٍ
وطائرُ الشَّوق ألقى اللومَ والعذْرا
يقول:... والشِّعر حلمٌ مسَّهُ هوسٌ
والأمْنياتُ أغانيْ ترْفضُ النَّشرا
هلْ هالكَ الآن ما دثّرته زمنًا
إنِّي أراكَ... وفيك الوقتُ قدْ أزرا
لمْ يرأفِ العمرُ مشتاقًا لجدَّتهِ
وخطوةً خطوةً صارت بهِ عشْرا
أنا الذي جدَّتي كانتْ تقدمني
عن سائرِ الأهلِ، تستوحي بيَ الشِّعْرا
في حضنها عشتُ طفلاً بالغًا كأبي
كانتْ ليَ المجد... كانتْ أمّيَ الأخرى
حتّى أناختْ ومالتْ عنْ مراكبها
فضقتُ روحًا، وعمري ضاقَ بي شزْرا
تلكَ الرَّوابي الّتي كانتْ تظلّلها
مازلتُ فيها أعيشُ البعدَ والهجْرا
أعيشُ "دسمالها" البنِّي ومخيطها
وكوزها والسِّنين الغبر والذّكرى
سافرتُ فيها ربيعًا كان ينثرها
في حقلِ روحي وأحلام الهوى بزْرا
كانتْ على الفقرِ تأوي بي إلى جبلٍ
منِ الحنانِ، وعطف يثلجُ الصّدرا
كانتْ سراجًا به أبصرتُ خارطتي
ونجمةً سافرت في خافقي دهرا
إيهٍ وفي حنجراتِ الشِّعرِ أغنيةٌ
وألفُ معنى يحاكي الصّمّتَ والقَبْرا
من بعض عقدٍ وما أهديتها وجعًا
ولا رثاءً، وبي ما يفلقُ الصَّخْرا
ما زلتُ أشتاقُ صوتَ الّليل في فمِها
وذلكَ اللغز شعْرًا كان أمْ نثْرا
ما زلتُ والصّبح بي يأوي لمخدعها
إنِّي إليها... وبيْ تستأنسُ البشرى
قميصُ جدِّيْ وأشياءٌ تذكرني
ولحظةٌ في سناها... رمتها ذخْرا
عطفًا على الذَّاتِ لا شعرًا لأبلغها...
أنَّى ليَ الآن شعرٌ يبلغُ البدْرا؟
أجول والأمس في أعماقِ ذاكرتي
يا زفرة الأمسِ عودي مرةً أخرى
عودي إليَّ زمانًا كان يجمعنا
والذّكرياتُ عروسٌ تسكنُ الخِدْرا
يا زائرَ القريةِ السّمراءِ خذْ شغفي
ودندناتي وما في القلبِ والشّكرا
عرِّجْ على الدَّار بلِّغْ كلَّ أبنيةٍ
نسائمَ الشّوقِ وانثرْ دونها العطْرا
وباركَ الكوخَ، ذكرى من سعادتنا
ما أطيب العيش... أحلام الصّبا تترى
رغم المعاناة من فقرٍ ومن تعبٍ
كنَّا من الحبِّ نبني كوخنا قصْرا
في محفل الودَّ والإيثار لي وطنٌ
لا يُذْكرُ الجارُ إلا خلتهُ صهْرا
وكان للضِّيفِ فيضٌ من سحائبنا
في ضيقةِ الحالِ نرجو ربَّنا يسْرا
وآخر القول أقسى ما يقول دمي:
إيهٍ على الأمس، صارت غايتي نُكْرا
أسيرُ واليأسُ محمولٌ على جسدي
وشهقة اليوم تمضي خلفنا سَكْرى
لا تحضنِ اليأس، قالت جدَّتي ومضت
في زفرةِ الموتِ، بي تستنهضُ الفكْرا