يا قدسُ يا مِحْرابُ يا مِنبرُ
يا نورُ يا إيمانُ يا عنبرُ
أقدامُ مَنْ داستْ رحاب الهُدى
ووجْهُ مَنْ في ساحِها أغْبَر؟
وكفُّ من تزرعُ أرضي وقد
حنا عليها ساعدي الأسمر؟
مَنْ لوَّثَ الصخرةَ تلك التي
كانت بمسْرى «أحمدٍ» تفخر؟
وأمطرَ القدسَ بأحقادِه
فاحترقَ اليابسُ والأخضر
ودنَّس المهْدَ على طُهْرِهِ
إلا عدوٌّ جاحدٌ أكفَر
يا سورةَ الأنفال من لي بها
قدسيّةَ الآياتِ تستنفِر؟
جُندًا يذوقُ الموتَ عذْبَ المنى
كالصُّبح عن إيمانهِ يُسفر
ومن يبِعْ لله أزكى دمٍ
يمتْ شهيدَ الحق أو يُنصر
والبغيُ مهما طال عدوانُهُ
فاللهُ من عدوانِه أكبر
يا قدسُ يا محرابُ يا مسجدُ
يا دُرَّةَ الأكوان يا فرْقَدُ
سفوحُك الخضرُ ربوعُ المنى
وتُرْبُكِ الياقوتُ والعسجد
كم رُتِّلتْ في أُفْقها آيةٌ!
وكم دعانا للهُدى مُرشد!
أقدامُ «عيسى» باركت أرضَها
وفي سماها قد سرى «أحمد»
أبَعْدَ وجهٍ مُشرقٍ بالتُّقى
يُطلُّ وجهٌ كالحٌ أرْبَد؟
وبعدَ ليْثٍ في عرين الشَّرى
يحلُّ كلبٌ راح يستَأسد؟
وبعد شعبٍ دينُه رحمةٌ
يحلُّ مَنْ وجدانه يحقد؟
يا أفرُعَ الزيتون في قُدسِنا
كم طابَ في أفْيائها الموعد!
إن مزَّق الغاصبُ أرحامنا
وقومُنا في الأرض قد شُرِّدوا
فما لنا غيرُ هُتاف العلا
إنا لغير الله لا نسجد!
القدسُ في أُفْق العلا كوكبُ
تشعُّ بالنور فلا تعجبوا
أيامُها بالحقِّ وَضّاءةٌ
كانت بأطراف القنا تُكتب
إنْ أطربَ القِيثارُ أسماعَنا
فاللَّحنُ في أفْق الهدى أعذب
أو حلَّتِ الأمجادُ ساحَ العلا
فالمسجدُ الأقصى لها أرحب
والمجدُ مذْ أشرقَ في قُدسِنا
ما بالُه في قدسنا يَغرُب؟
يا روضةً كانت لنا مرتعًا
وكوثرًا من فيْضِه نشرب
وجنَّةً فيها ربيعُ المنى
في ظلِّها أكبادُنا تلعب
مذ حلَّ في أفيائها غاصبٌ
ما عاد فيها بلبلٌ يُطرب
مَنْ لي بسيفٍ لا يهاب الردى
في كفِّ مَنْ يزهو به الموكب
أو رايةٍ في جَحْفلٍ ظافرٍ
يقودُهُ «الفاروقُ أو مصعب»
الوحيُ والتَّنزيلُ والأحرفُ
والآيُ والإنجيلُ والمصحفُ
وسورةُ الإسراء ما رُتِّلتْ
إلا وأسماعُ الدُّنا تُرهَف
تُباركُ القدسَ وما حولَها
وصخرةُ القدس بنا تهتف
في كلِّ صدرٍ من دمي دفقةٌ
وكلِّ عينٍ دمعةٌ تُذرف
إن ضَمَّد الآسي جراحَ الورى
فالجرحُ مني راعفٌ ينزف
يا درَّةً في جيدِ تاريخِنا
رُباكِ من كلِّ الرُّبا ألطف
كم قد مشت أكبادُنا فوقَها
من كلِّ روضٍ زهرةً تَقطُف!
وكم سقَيْنا تربَها أنفُسًا
أنقى من الياقوت بل أشرف!
يا قدسُ مهما باعدوا بيننا
ففي غدٍ جيشُ الهدى يزحف
كتائبُ الإيمان قد بايعَتْ
لا فاسقٌ فيها ولا مُتْرَف
يا قدسُ يا أنشودةً في فمي
ويا منارًا في ذُرا الأنجمِ
في كلِّ أفقٍ منك تسبيحةٌ
وكلِّ شبرٍ دفقةٌ من دم
وكلِّ روضٍ نفحةٌ من شذًا
وماؤُكِ الرقراقُ من زمزم
وكلِّ صدرٍ زفرةٌ حرَّةٌ
وكلِّ خِدْرٍ عَفَّةُ المبسَم
تحنو بقلبٍ خافقٍ بالمنى
على بريءٍ رفَّ كالبُرعم
قد أغمضَ الأجفانَ في هدأةٍ
وثغرُه في الثَّدْيِ لم يُفطم
مَنْ مزَّق الطفلَ بلا رحمةٍ
فماتَ بينَ الصدرِ والمِعْصم؟
شظيّةٌ عمياءُ من حاقدٍ
ورَمْيةٌ من ساعد المجرم
قد أُطلقتْ هوجاءَ في غفلةٍ
وحُلْكةٍ من ليلِنا المظلم
ما كان للهامات أن تنحني
لو كان فينا عِزَّةُ المسلم