يا بنةَ «السين» كيف تلغين «مِصرا»
إن فيها حسنًا وحبّاً وخمرا
فإذا ما نأيتِ عن مصرَ يومًا
فصِفيها هناك شعرًا ونثرا
أبلغي «السينَ» أن في مصرَ نيلاً
يهَب الشاربين روحًا وعمرا
ماؤُه العذب أحمرُ اللون يسقي
بُسُطًا سندسيَّة اللون خُضرا
إن للنيل منبعًا في السَّماوا
تِ، ومَجراه في الثرى خيرُ مجرى
ولقد كان في القديم إلهًا
عبدَتْه الأقوام سرّاً وجهرا
كان يُلقى إليه في كلِّ عامٍ
غادةٌ مثلُ طلعة الشمس عَذْرا
من رآها رأى عروسًا تُلاقي
ليلةَ العرس مأتمًا مكفهِرّا
نحن لا نعرفُ الخريفَ ولا الصَّيْ
فَ، ولا ينزل الشتاءُ بمصرا
مصرُ مهدُ الربيع من سالف الده
رِ، كأنْ لم يجدْ سواها مقرّا
قد نمَتْ حولنا زهورُ شذاها
يملأ الأرضَ والسماواتِ عطرا
فاقطفي حيثما تسيرين منها
نرجسًا ناعسًا ووردًا وزهرا
راقبي الشمس وهْي تشرقُ يومًا
تحسبيها تُلقي على مصرَ تِبْرا
فإذا جاءها الغروب لتنأى
سكبت أدمعًا على مصرَ حَمرا
هذه أدمعُ الفراق وهذا
شفقٌ خاله المصوِّرُ جمْرا
خبِّرينا عن الجمال فأنتم
بفنون الجمال في الكون أدرى
نحن قومٌ نرى الجميل غزالاً
ونرى الغادةَ الجميلة بدرا
لا تباهي بما لديك من العِلْ
مِ، فقد كان عندنا العلم يُشْرى
إن تطيروا إلى السماء فإنّا
قد رأينا هنا كَنارًا ونَسْرا
أو تغوصوا في البحر أو تمخروا البح
رَ، «فموسى» في مصرَ شقَّ البحرا
خبِّرينا عن الغرام فأنتم
خيرُ من أودع المحبّةَ صدرا
نحن قومٌ نرى المحبَّ المعنَّى
ينثرُ الدمع وهو ينظم شعرا
إن عشقْنا فنحن في العشق قتلى
أو عشقتُم فأنتمُ فيه أسرى
وفتانا يجرُّ ذيلاً من العُجْ
بِ، وما زال يحسب الجمْرَ تمرا
وفتاةٌ إمّا سجينةُ خِدْرٍ
من صِباها تمنَّتِ القبرَ خِدْرا
تُبصرُ الشمسَ من وراء ستارٍ
وتعدُّ السفورَ أمرًا نُكْرا
وهي إمّا طليقةٌ تمقتُ الأسْ
رَ، ومن ذا الذي يحبُّ الأسرا
يا بنةَ «السين» كلُّ هذا عجيبٌ
فدعيه لعلَّ في الأمر سرّا
قد رأيتِ الأهرامَ يا ربَّةَ الحس
نِ أصَرْحًا ترينَه أم قبرا
وأبا الهول وهو يبسط في الأر
ضِ ذراعَيْه يملأ الأرض ذُعْرا
وقبورًا شِيدت فكانت قصورًا
حفظتْها الأيامُ دهرًا فدهرا
لم يمدَّ الردى إليها أكفّاً
مثلما مدَّها لإيوان «كسرى»
كم وكم مرَّ من عصورٍ عليها
رأتِ العيش فيه حلوًا ومُرّا
يا بنةَ «السين» والحديثُ شجونٌ
فخُذيه ففيه للناس ذكرى
تلك آثارُنا التي قد ورِثْنا
وهي كانت لنا مدى الدهر فخْرا
فسِلينا ماذا الذي قد تركنا
لبَنينا ونحن أحدثُ عصرا؟