الرُّزءُ أعظم والرضا أولَى بي
والسقمُ أنحل والأسى أتْوَى بي
والجوُّ أظلمَ والأراضي قد هوَتْ
أعلامُها وخبا سُطوعُ شهاب
وتراكمتْ سحبُ الأسى وتزاحمتْ
كُثُبُ الهمومِ بفرقةِ الأحباب
آهٍ على عُلماءَ قد فتكتْ بهم
أيدي المنايا يا أسًى لمصاب
ما هدَّ لي صبرًا وأنهر مدْمعي
وأثارَ نارَ تولُّعي وتَصابي
إلا سَرِيٌّ جامعٌ لمناصبٍ
وسُميْدَعٌ يثوي سوادَ لبابي
حكَّمتُه في أضلعي ويلَذُّ لي
حكْمُ الصبابة وهْي ملءُ إهابي
بطشتْ به أيدي المنايا دون أن
ترعَى المزايا أو ترقَّ لما بي
يبكي أبا العباس مَنْ في صدرِهِ
لهبُ الفراق يذوب بالأوصاب
يبكيه مِنْ شُرفائِنا وعُفاتِنا
مَنْ لا يؤوبُ بغيرِ ملْءِ جِراب
تبكيه كلُّ مدارسٍ ودروسُها
ودفاترٌ ومجالسُ الأصحاب
تبكيه كلُّ فضيلةٍ ومكانةٍ
وأيمَّة ضلَّتْ عن الأسباب
ذهبتْ معالجةُ القلوب فأين مَنْ
يأوي إليه الهائمُ المتصابي
يا عينَ إنساني ونزهةَ مُقْلتي
لا يخطئنَّكمُ رضا الوهّاب
مَنْ ذا تُخلِّفُه علينا نقتفي
آثارَه إن رابَ لَمْعُ سراب
يا قبرُ فاعرفْ قدْرَ من أُودِعْتَه
أدبًا وإياك الجفا بصوابي
واحمدْه إذ تأتيك منه محامدٌ
فيه تَباهَى أصْلُ كلِّ تراب
يا نِعم ضيفٌ قد أتاك بحكمةٍ
وبكلِّ عاليةٍ وحُسْنِ مَناب
هو أحمدٌ وإمامُ كل أيمَّةٍ
هو كهفُ كلِّ مقصِّرٍ ومُثاب
هو في الوجودِ حياةُ كلِّ زمانِهِ
هو روحُ أهلِ تباينٍ وجناب