جلَّ المصاب فما للدمع قد جمَدا
إن شئتُ صبراً فلا صبرًا ولا جَلَدا
رزءٌ يؤجِّج في كلِّ النفوس جوًى
وحرَّق القلبَ والأحشاءَ والكبدا
رزءٌ ألمَّ بنا في صاحبٍ لبقٍ
فكان ما كان من حزنٍ خفى وبدا
بالأمس نظَّمتُ شعري كي أهنّئه
ببرئه وأجدتُ القول مجتهدا
واليومَ أرثيه من نفسي فإن نفِدَتْ
مني القوافي فإن الحزن ما نفِدا
فكيف أسْطيع صبراً حين أذكره
وكلُّ بابٍ من السلوان قد وُصدا
فإن رأيتُ قلوبَ الناس واجفةً
وما بنا من همومٍ تجلب الكمدا
وما بنا من عيونٍ كالغمام همَتْ
وحزنَنا وبُكانا المرَّ والنكدا
أيقنتُ أنّا دفنَّا في التراب فتًى
زينَ الشباب ولم نعدل به أحدا
لهْفي وهل خيرةُ الإخوان يعجبُه
ذاك الظلامُ عن الأهلين مبتعدا
عهدي بأنك صبّارٌ على مضَضٍ
في معمعانِ الأسَى لا تخطِئ الرشَدا
عهدي بأنك ذو عزمٍ تفلُّ به
صِرْفَ الزمان على مولاك معتمدا
ما بالك اليومَ ذا همٍّ وذا نصبٍ
ألم تكنْ سيّداً في قِدْمه أسدا
فكفكفِ الدمع من عينيك مُحتسباً
عند الإله شباباً في العلا صَعِدا
إن الحياة غرورٌ من يُغرَّ بها
أودت به في مهاوي خسْفِها أبدا
والصبرُ أولى على المكروه فارْمِ به
كيدَ الزمان وكن بالله معتقدا
فكم وكم من ملوكٍ بعد عزّهمُ
سِيقوا إلى القبر لا ندري لهم عددا
فأين من شيَّدوا الأهرامَ من قِدَمٍ
ورتَّبوا الجند في الآفاق والعددا
وأين من شيّدوا ذاتَ العمادِ ومن
كان النجوم لهم في ملكهم عمَدا
طاحوا كأن لم يكونوا حيث مزَّقهم
سيفُ المنايا وفي أعقابهم حصدا
يا أيها العاشقُ الدنيا وزخرفَها
وجامعُ المال مهتمّاً ومتّئدا
هوِّنْ عليك فلا مالٌ ولا نشبٌ
يغني فتيلاً إذا ما الموتُ قد رعدا
فكلُّ مالٍ سيفنى رغم أنفسنا
وللمنايا سيجري كلُّ من وُلِدا
والحرص لا يمنع المقدورَ شدَّتُه
كلُّ امرئٍ سيُوفَّى ما به وُعدا
فإن صبَرْنا فإن الأجر مدَّخَرٌ
وعوَّض الله في خِدنٍ لنا فُقِدا