جاءت، مع الفجر، مثل الفجر تزدهرُ!
فالدَّربُ - من جرِّ أذيالٍ لَهَا - عَطِرُ!
وفي الرُّبا رجْعُ تسليمٍ وعندلةٍ،
وفي المُرُوجِ على أسمائها سكروا!
أميرةٌ، موكبُ الأشواقِ موكبُها،
وفي الحُداة الصَّبا، والطَّيْرُ، والزهرُ!
وفي الأغانيِّ - إنْ غنَّتْ على غَيَبٍ
بعضٌ سَراةٌ، وبعضٌ أنجُمٌ زُهُر!
وفي الأحاديث مرصودٌ، ومنعتقٌ
كأنَّها سامرٌ في جنَّةٍ سمِروا!
تحكي الخمائلُ - أشكالاً - مباهجَها
وفي المقاصير - عن آلائها - سِيَر
طريَّةُ اللَّمحِ، مغناجٌ سريرتُها،
على مخابرها النعماءُ تنسدر
أبهى مسافرةٍ، والحُبُّ حارسُها،
يا ليت حجَّك عاد اليومَ يا «عُمَر!»
وهل أعُوجُ على أسرارِ فتنتها؟
هذي الجواهرُ لم يحلم بها بشر!
هيفاءُ، تِرْبُ العشيَّاتِ التي ابتردتْ
عندَ الينابيع، والأطيابُ تنهمر!
غَنْيانةٌ، كالأماليد التي شربتْ
من واحتَيْن، فَرَاقَ الزَّهرُ والثَّمر!
زهراءُ، مثلُ الدُّمى في ذهنِ خالقها!
بها يطيبُ الهوى، والليلُ، والسَّهر
جميلةٌ، ما الجميلاتُ التي عُهدتْ
إلاَّ الجداولُ، وهْي المارجُ البَحَر!
تعنو لها، - وَتَهِيْ في ساحها - زمرٌ
من عاشقين وتهفو الجِلَّةُ الكُبَر!
كأنَّها في الإلهاتِ التي ذهبتْ
تُغري الأعاصرَ أو تُغْرَى بها العُصُر!
كأنَّها أُخرجتْ أسطورةً فَلَها
سحرُ الأساطير حتى تخلص السُّطُر!
قالوا «هي البحرُ!» هل قولٌ يُحدّدُها،
هذي التي جوهرَ الأشياء تأتَزِر؟
رقيقةٌ، رقَّةُ الترجيع في وترٍ،
وهي الرنينُ إذا يغرورقُ الوتر
وهْي الرجاءُ، فلا يأسٌ يدمّرها،
وهي الصفاءُ، فلا يحتلُّ معتكِر
تختال في بُردتين العمرُ عندهما
حُلمٌ يمرُّ، وتحلو، بعدهُ، الذِّكَر!
كمثلِ بيت قصيدٍ جُنَّ شاعرُهُ
لمَّا اغتلى النغْمُ فيه واغتَلَتْ صور!
حوريّةٌ؟ لا بَلِ الإلهامُ كنيتها!
والملهمون مُلُوكُ الكون إنْ ذُكِروا!
حسناءُ، لا ينتهي عن حُسْنها نظرٌ
ولا ترى مَهْربًا - عن كنهها - الفكر!
في الخالدين، أميرُ الشوق منتظرٌ
إقبالَ مبحرةٍ والمجدُ منتظر!
هي التي من عُباب الشعرِ قد نجمتْ،
تلقي، على الدهر، ما لا يعرف الدَّهَر!
تحكي حكايا النُّهى حتى إذا شهقتْ
تلك الذّرا، فحكايا القلبِ تنتثر!
آنًا على فرحٍ، فالموجُ ملتئمٌ!
آنًا على حَزَنٍ، فالموج منشطر!
وفي دُنا الخالدين الشوقُ محترقٌ!
والمجدُ منحسرٌ والشِّعر مستعر!
هُمُ على موعدٍ أم في الرُّؤى عجبٌ
والواعدان هما عُذرٌ ومعتذر؟
ما هَمَّ فالشوقُ جِنُّ المجدِ تأسرُه!
والمجدُ عند سَراة الشوقِ يُؤْتَسر!
ذانِ الجناحان لم يُذمم فضاؤُهما!
وذانِ بُعدان لم يُدركْهما وطر!
سألتُكِ، اليومَ، يا أرياحُ لا تهني!
هذي المجاديفُ أمرَ العصف تأتمر!
جُنِّي فإنّا معًا، في الرحلة النَّدَرَى،
لا القَبْلُ بادرها، لا البُعد مُبتدِر!
شراعُنا فوق يَمِّ الشمس منطلقٌ
ودوننا هُوّةُ الأعمارِ تنفغِر
وليس شاطئُنا إلا على سُدُمٍ
منها نراقب نهرَ الخَلْق ينحدر
رُحماكِ أرضي مطايا الهول مُسرَجةٌ
ودون غاياتها لم تُسدلِ السُّتُر
أرى السرابَ، على الصحراء يأكلها
تفنى الرمالُ، ويفنى الماء والشجر!
أرى الهديرَ على الأْثباج منسحقًا
ودونه الغضبُ الدهريُّ ينفجر!
أرى الضياء غريبًا في مدارجه
كأن مشرِقَه الأرماسُ والحُفَر
أرى الجبالَ نِمالُ السفح تُوهنها!
وفي النجوم يعسُّ الذئبُ والنَّمِر!
أرى المراتبَ قِيعانًا مفزَّعةً
كساحة الحشر والأبواق تنسجر
أرى المناكيرَ لا هاجوا، ولا مرجوا
تطغَى الجماجمُ، والآجالُ تنغمر!
أرى التفكُّرَ ترميه قرائحُه
طِرْحاً وليس يرمُّ الطِّرحَ مُفتكِر!