لحى الله دهرًا قد رماني بغربةِ
وطول صدودٍ لاح لي بعد قربةِ
إلى الله أشكو من زمانٍ يجورني
هو الله مولانا إليه لَشَكْوتي
إذا سرّنا يومًا أساء بنا غدًا
وألقى علينا شِدّةً بعد شدة
إذا فُرِّجتْ آنًا همومي فعاد بي
مُصرّاً بضيمٍ لحظةً بعد لحظة
إذا رمْتُ شكلاً أوّلاً وانتظمْتُه
رماني بضربٍ أوّلٍ ذا نتيجتي
ولي من صعوبات النوائب مبْلغٌ
كثيرٌ فلا يُحصى بِعَدٍّ وعدّة
إذا زال همٌّ ناب همٌّ مَنابه
وهذا لشأني في نوائب سَفْرتي
ولولا همومي ألحقتني من الأسى
لما بِنْتُ من آلي وأهلي وأسرتي
ولا سيّما من رَبّني وهو والدي
ولا سيّما أمي وشِقِّي وشِقَّتي
إلامَ فؤادي ذائبٌ بفراقهم
وحتّامَ أبكي في صدودٍ وفرقة
فشمّرتُ للأسفار ذيلي مكابدًا
خطوبَ كروبٍ قد جفَتْني بسطوة
تحمّلتُ كلاً من رخاءٍ وزعزعٍ
تقلّبتُ في شأنَيْ رخاءٍ وبؤسة
بُليتُ بغمٍّ وانتيابٍ من النوى
ولا زلت أطوي بلدةً بعد بلدة
فجرّبت أقوامًا وفحّصت أمرهم
وأدركتُ شأنَ الناس في كل إمرة
فجالستُ كلاً من شريفٍ وماجدٍ
وطالت بهم دهرًا عهودي وصُحبتي
ومازجت كلاً من ذكيٍّ وحازمٍ
وفي ذاك قد ضيّعت وقتي وفرصتي
ونادمتُ كلاً من أميرٍ ومترفٍ
ونضّرتهم طرًا ببشْري ونضرتي
ووافقت كلاً من كريمٍ وذي ندًى
ضربت على أبواب كلٍّ بصكّة
ولاقيت كُلاً من أريبٍ وحاذقٍ
يحلُّ بفكرٍ صائبٍ عضْلَ عقدتي
فما ألمعيٌّ فاق إلا وزرتُه
نديمًا له مستيقنًا كل نكتةِ
فما أوحديٌّ حاز كلَّ فضائلٍ
ونلت به إلا ولي منه حصتي
فزاولتُ في كل الفنون ودرسها
ومارستها في كل يومٍ بليلةِ
فأصبحت بحرًا زاخرًا في جواهر ال
علومِ وأمواجي أفكار فطنةِ
وأمسيت طودًا شامخًا من نفائس ال
فنونِ ومن منكم رأى طرف ذروتي
وإني أنا شمس العلوم وبدرها
وقطب دراياتٍ ومركز دُرْية
كلامي شفاءٌ للغواية إذ جرت
وقوليَ قانون النجاة بجملة
كنايات تقريري رموزٌ إلى النهى
إشارات تحريري عيونٌ لحكمة
ولكنّ دهرًا سدّ بابي بأقفلٍ
فهل فتحُ بابٍ سدّ لي تحت قدرتي
ولا غروَ إن أرخى الزمان زمامه
إليّ فإني أهل ذاك لعظمتي
إذا ما أُريد الشيء يأتي بضدّه
ولم يأتِ طورًا ما يوافق منيتي
فما ليَ نقصٌ من همومٍ تهمّني
ولا لي محيصٌ من شدائد نقمتي
فهل لي على الأرضين من صارخٍ يغي
ثني رحمةً فيما عَرَتْ من مصيبتي
وهل ليَ من أَوْبٍ إلى بلدةٍ لها
صعودٌ وفي بُعديَ عنها لشقوتي