للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
حين تمتزجُ المعاني في ارتياحٍ
بين أفئدةٍ تمنَّتْ
ثم لاقتْ ما تمنَّتْ
حلمُها رؤيا اللقاءِ تحقَّقتْ
مِن بعد طول سُباتْ...
لونُ البنفسَجِ غامقٌ...
لونُ البنفسَجِ عاشقٌ...
وأنا المُتَيَّمُ في الهوىٰ
بين العيونِ الساحراتْ...
الفاتناتِ، القادراتِ،
القاهراتِ، الماكراتِ
المستحيلاتِ الجمال،
المستبيحاتِ القلوبَ
حلالَها
وجلالَها
وكمالَها
فجمالُها يُلغي التحضُّرَ والتصَبُّرَ
والتعقُّلَ والتأمُّلَ والثَّباتْ...
قد كان طيفُكِ يا حبيبةُ ساريًا
مُتأَنّيا
ومؤجِّجًا نيرانَ غيرتِهنَّ منكِ
وأنتِ هادئةٌ، وهانئةٌ
وآمنةٌ، وساكنةٌ
بَنفسَجةٌ تمرُّ بها العواصِفُ
لا انكسارٌ منكِ
بل عطرٌ يفوحُ إلى المدىٰ
وعلى الرُّبا
وأنا هنا
ما بين أروقةِ الحنينِ مُدَمَّرٌ
ومُبعثَرٌ
فتلمُّني عيناكِ مِن بَعدِ الشَّتاتْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
حين يأتي هادئًا
ويَفِرُّ من زيفِ المشاعرِ في قلوبِ العابراتْ...
أو حين يأتي هادرًا
ويُقِرُّ فينا الحلمَ
نحملُه على كفِّ الحقيقةِ
نرتضيه ويرتضينا...
الليلُ هذا السرمَديُّ يلفُّنا
لا بدرَ يطلعُ في سماواتِ الفِراقْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
والبنفسجُ شاعرٌ مُتَبحِّرٌ
يُلقي الشّذى طَوعًا لَجذبِ العاشقينَ
بحضرةِ العِطْرِ المُسمَّى بيننا
فاقرأْ علينا مِن نشيدِكَ ساعةً
واتلُ القصائدَ
واعلُ في معراجِكَ الطيفيِّ
مِن بَعدِ العِناقْ...
هذا مقامُكَ أيها القلبُ المسافرُ
مِن سلامٍ لاحتراقْ...
فاحملْ سلامي للبنفسجِ
والبنفسجُ ساهِرٌ مُتأَثِّرٌ بالبُعدِ
كم يُلقي الحكايا
للمُحِبِّ
وللقتيلِ وللعذولِ
فقُل لموجِ البحرِ ما فَعَلتْ بكَ الأشواقْ...
واحكِ انتصارَكَ للبنفسجِ
والبنفسجُ ثائرٌ متآمِرٌ
يحمي شظايا النورِ مِن قَمرِ المحاقْ...
واروِ انكسارَكَ للبنفسجِ
فالبنفسجُ عارِفٌ مُتصوِّفٌ
فاسمعْ لشيخِكَ يا مُريدُ
إذا تريدُ
عُروجَ روحِكَ سالِمًا
ووصولَ قلبِكَ غانمًا
كي تَستظِلَّ بسِدرةِ العُشاقْ...
للحبِّ
للقلبِ الملوَّنِ بالمُنىٰ
لونُ البنفسَجِ
في تحدِّي الريحِ إعصارًا
وفي عشقِ الزهورِ الخُضرِ أعمارًا
وفي فنِّ الردودِ وفي السُّكاتْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
في اختلاجتهِ العميقةِ والرشيقةِ والجميلةْ...
في هزةِ العِطرِ الخجولةِ والنبيلةْ...
قد كان إسرائي بِلَيلٍ ظالمٍ
فارفُقْ بنا
أنبِتْ بذورَ الشوقِ في قلبي الجديبِ
انفُخْ به روحَ المحبةِ
باعثًا شوقَ الأحبِّةِ فيه
من بعد المواتْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
حين يأتي بَلْسَمًا ومُسلِّما...
ومُحقِّقًا دفءَ القلوبِ
مُحلِّقًا صوبَ الغيومِ
مُعانِقًا عند المعالي الأنجُما...
فاحملْ همومَكَ للبنفسجِ
والبنفسجُ سامعٌ شكواكَ دومًا
إنْ سَلاكَ الشوقُ يومًا
لا تقُلْ: "خانَ الحبيبُ"، وإنما
عِشْ باحِثًا عن طيفِه مُتَكَتِّما...
فإذا وصَلْتَ إليهِ
فاحكُمْ لوعَةَ الأحداقِ
واكتُمْ دمعةَ العُشّاقِ
واضمُمْ كعبةَ الأشواقِ
وانهلْ من عيونِكَ زمْزَما...
واسمع إذا قال البنفسجُ
والبنفسجُ حاكِمٌ مُتحكِّمٌ:
" قِفْ في مَقامِ غرامِنا متأدِّبا...
طُفْ سبعةً يا أيها المحرومُ
وارفُقْ بالفؤادِ مُعَذَّبًا ومُعذِّبا...
بُحْ للفضاءِ الرحْبِ بالأسرارِ
لا تَوجَلْ
فأنتَ الضيفُ
جئتُ إليكَ بالحُبِّ الكبيرِ
فَصِلْ يديكَ إليهِ
سَمِّ اللهَ
خُذ ما تكتفي
حَدَّ الرواءِ
والاشتهاءِ
وحَدَّ ما عَرفَ الورى مِن جودِنا...
سِرْ أنتَ
لا أحدٌ سِواكَ إليهِ
سِرٌّ أنتَ
من أسرارِ هذا الكونِ
فاغترفِ الهوى
ما شئتَ عَذبًا عارِما! "
بَلَغَ الحنينُ مَحِلَّهْ...
والقلبُ لا يهفو سوى لأليفهِ
فالحُبُّ يعرِفُ أهلَهْ...
طارت حمائِمُ عِشقِنا
حَطَّت على أغصانِ روضٍ
داعَبَتْ في أرضهِ عُشبَ اللقاءِ وفُلَّهْ...
والنخلُ في عِزِّ الشموخِ
الآنَ يعشقُ ظِلَّهْ!
ويَودُّ لو مالَ احتواءً للبنفسجِ
أن يُعانقَهُ قليلاً
والبنفسجُ حائرٌ خَجِلٌ
فما ضَمَّت شذاه الحُرَّ في الأجواءِ قبلاً نخلَهْ...
للحبِّ رائحةُ البنفسجِ
حينَ يأتي حامِلاً طِيبَ الفؤادِ وأصلَهْ...
أو قصةً
تحكي الكثيرَ بصمتها
وبصوتها
تروي براءةَ طِفلَهْ...
تهفو قلوبُ الناظرينَ لها
تُحبُّ سخاءَ بسمتِها
تذوبُ بِرقةِ الضّحِكاتْ...
فاهدأ قليلاً أيها القلبُ المهاجِرُ للنهايةِ
والمجاهِرُ بالغوايةِ
والمُحَاصَرُ بالورودِ الزاهياتْ...
فجميعُ مَن يَسعيْنَ حولَكَ زائفاتْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
والبنفسجُ زاهدٌ مُتَعبِّدٌ
فاسْلُكْ سبيلَ الحقِّ
دعْ عنكَ الضلالةَ
في قلوبِ التائهينْ...
ثم اتّجِهْ صوبَ البنفسجِ
والبنفسجُ ناسكٌ مُتفَرِّدٌ
محرابُه الحبُّ الخصيبْ...
فِردوسُه قُربُ الحبيبْ...
وعذابُه الطيفُ القريبُ
إذا رأى مُتدلِّلًا
ألاَّ يُجيبْ...
وإذا نأى مُتعلِّلًا
أنَّ المحبَّةَ ليس يُضنيها الذَّهابُ
ولا اليبَابُ ولا المغيبْ...
قولوا لِطَيْفِ حبيبتي:
مَن يعتني بالقلبِ إن يومًا صحِبْتِ الراحلينْ؟
مَن يملأُ الصحراءَ من زهرِ البنفسجِ زاهيًا
يهدي جموعَ العاشقين؟
إنَّ المحبَّةَ ليس يُضنيها غيابٌ واغترابٌ أو مَشيبْ...
سيَعودُ كلُّ الغائبين لحيِّهِمْ...
وسيهتدي الغرباءُ بَعدَ طوافِهم من غيِّهِمْ...
وسيَستحيلُ الشِّيبُ شُبّانًا برؤيةِ مَنْ أحبّوا سالمينْ...
أشفِقْ على قلبي
فقلبي لم يعد فيهِ مكانٌ للجراحِ
ولا الأنينْ...
للحُبِّ رائحةُ البنفسَجِ
والبنفسجُ شاعِرٌ مُتَبحِّرٌ
أو ساهرٌ مُتأثِّرٌ
أو ثائِرٌ مُتآمِرٌ
أو عارفٌ مُتصوِّفٌ
أو حاكِمٌ مُتحكِّمٌ
أو ناسِكٌ مُتفَرِّدٌ
أو زاهِدٌ مُتَعبِّدٌ
أو حائِرٌ مٌتردِّدٌ
خَجِلٌ يُخبّئُ عِشقَه عن أعينِ الفانينْ...
فاصعد بقلبكَ للمدىٰ
واسعد بحُبِّكَ والهدىٰ
فبغير إيمانٍ لديكَ
يضيعُ ما تجني سُدىٰ
واحذر فِعالَ الغافلينْ...