تخطَّ إلى المحتوى

ماذا أفعل باليوم الذي وضع حقائبه

غير معروف

١٨٤ بيت

المتفرقات

ماذا أفعل باليوم الذي وضع حقائبه

على ظهري

واتكأَ إلى حائط المبنى القديم

ليبدأ البحث في شاشته الثقيلة

عن كائن مَرَّ من هنا؟

ولو وَصَلْتُ إلى أمكنة أليفة

تظللها الأشجار

ومشربيات تلعب بالريح

فماذا سأفعل بيوم قائظ

ليس فيه يوم

وَلاَ ساعة فاسدة

تطلّ ميتةً على سكة الحديد؟

ماذا سأفعل بالطرقات

التي تمسك بيدي

وتقودني كطفل تائه إلى عشّ مهجور.

مَاذا سأفعل

بالعناوين في جيبي

والقصائد المثلومة

والمظلة التي تتوقع مطراً لا يجيء.

مَاذا سأفعل بالمشاعر التي نَسيتها

في ثلاجة مطفأة

وبما تبقّى عالقاً بوجهي وملابسي

من الورد الذي ألقيت به

من نافذة القطار

وبالسَّفر الذي أكلته الأعطاب؟

مَاذا سأفعل بروحي

تَملأُها فجأة صناجات البوليرو

وترجيعات ناياته الشبيهة بأقواس المسجد الكبير

ماذا سأفعل بالقرية

التي يَغْصِبها غزاة يخرجون من قصائدي

فتهرب معي إلى الحانات والمراثي

وتنتهي في سرير لن يتذكّر من أمرنا

سِوى ارتطامي بجسم غريب

ها هي المدينة تحت مطر غزير

ترى ألوان فستانها تسيل على الأرصفة

وتسمعني أردد

ماذا أفعل.. ماذا أفعل

والأشياء التي أتساءل عَمَّا أفعل بها

تتبعني كقطط جائعة

وتسخر من هيأة النبي الذي بلا نبوءة

سوى افتراض معجزة تنهض من الرماد

ودعوة حمقاء

للبقاء طويلاً

في السرير الخاوي

قدر ما يَتَحَمَّل البياض

جسداً مبقوراً

لا يستجيب للحب.

إليك أيتها المدينة

شيئاً تفهمين به هذا الوجع الجديد.

انظري في راحتي حيث يتجمّع السواد

في شكل عين وحيدة تَرى لحسابها الخاص.

إنها عين الحجر الذي ينزل بي لقاع البحيرة

عين الجدار الذي يصعد من رموشي إلى

سطوح البنايات

ومآذن المساجد

ويبسط تحت سماء زرقاء

غيمة من حجر.

إنها عين الكائن الأسطوري

الذي اصطدته بِهاتفي الذكي

وأرسلته خلف نَوايا تجري أمامي

كطرائد مفزوعة.

مَا أكثر مَا مشيت وحيداً

في هذه الشوارع التي تمنحينها لي

خاوية إلاَّ من أجنحة الموتى

وانتظرت وأنا أعبر الجسور والأنفاق

وأرقص متهوراً على سكة الترامواي

أن يصلني شيء

من المرئيات اللذيذة لعيني الوحيدة

عين الوحش الذي ترفضين أن

تلقميه ثديك

فيحشر جوعه بين أصابعي.

مَا أكثر مَا جمعت من بقاياك

أشلاء

وذرات رمل

وحروفاً مُهَشَّمة

دون أن أنجح في إعادة

تركيب مَا فقدته منك..

المساء يمنحني مقعداً جنب النافذة

هكذا أدرك أنني لم أعد في الشارع

لم أعد أمشي خفيفاً على مربعات الممشى

أبحث في الوجوه الكثيرة التي تمرّ بي

عن وجه يشبهني.

أنا الآن في مربّع الفرصة الأخيرة

أحرك الستارة لأرى شجراً يسهر رغم أنفه

تحت مصابيح المدينة

لأرى العصافير تدخل رؤوسها تحت أجنحتها

بحثاً عن ليل مستحيل.

الآن ستبدأ الأشياء تحللها

في تلك الوهاد السحيقة التي تركت عندها

لغتي وملامحي

حيث نساء ساحرات يلبسن الحداد

ويركضن بين خرائب الذاكرة

وذئاب ترتّب عودتها إلى البراري.

لاَ شيء سيبقى في المكان الذي نَحَتُّه بأظافري

ونَقَّيته من كل مَا ليس مكاناً

وَلاَ لوعةً

وَلاَ شذى.

ستموت الأشياء

وتبقى عتمات الغرانيت

مصقولة بالخواء

كما تبقى القرى المهجورة

عندما تستعيد نفسها من ضجيج العابرين.

في جلستي الجانبية

يمر تحت نافذتي

حالمون

وخائفون

وأشخاص مطفَأون

يضعون الوحدة قبعاتٍ مثقوبة

على رؤوسهم..

وعندما تمرّ امرأة وترفع عينيها

نحو ما اعتبرته إضاءَةً فاسدة

أسرع إلى الستارة

وأزيحها بحركة فُرُوسية

كأنني أدعوها لرقصة فالس

هل تسمحين يا سيدتي؟

ولو أنه عزف شحيح بلا أبّهة

ولو أنها الليلة الأخيرة

قبل اندلاع الحرب.

هل تسمحين…؟

وها هي الستارة وحدها تسمح بإكمال الرقصة

في دورة واحدة

ثم في دورتين

في زمنين

حتى عودة الغيم

إلى جلسة المحارب

وها هو يصبح ذئباً متوجساً

يشمّ عن بعد جلد العدو

ثم ها هو يدنو من زجاج النافذة

وينفث فوقه بخاراً كثيفاً

يسمح له أن يكتب مرتبكاً

«أنا

لم أعد في الإطار»

اللَّيل وحده يَعرف

كم كان وحيداً

ذلك الأبكم

يبحث عن جملة يعرفها

بألوان الكلمات.

الأزرق في الأجنحة

والأصفر في النداء

والأخضر في الصوت

وحيداً يرتّب الأبكم ألوان الكلمات

لتصبح هكذا:

الصوت أجنحة النداء

أيّ سماء تخرج من الليل

وتلبس في القطار الموحش

فستاناً بألوان لم يلدها الضوء.

اللَّيل وحده يعرف أن الأبكم

لم يكن مسافراً..

كان قادماً من نافذة مفتوحة

ومتجها إلى شمال عجوز

حيث الثلج يستقْبِلُ آثار أقدام خائفة

وينثر على ضوء النوافذ رموشاً بيضاء.

ليس صعباً أن نعبر الريح بعد كل هذا العناء

كلانا ترك من جلده نصيباً في هذه الأكذوبة

والآن. ليس لنا إلا أن نغمض

العين الوحيدة التي تسافر من أجلنا

وتجوب أصقاعاً طرية لم تجرحها حوافر الخيل

سترى ما تبقّى من المدن التي ابتلعتها

غارات بلا صوت

غارات تمحو، كما تَفعل نقرة الحذف في هاتف ذكي

حيث لاَ يسيل سِوى دم أبيض

سرعان مَا تلفظه الشاشة إلى أنفاق قرصها الصلب.

ومَاذا تبقى أيتها العين الوحيدة..

هل الأحجار المنقوعة في توابل الراحلين

وأثواب أعراس مهربة

وملابس أطفال سقطت من شرفات أوقعها القصف

وملاءات وخُمُر مطرّزة

ومصاحف موشاة

وصناديق مرصعة

وصحون تصخب العصافير في مراياها

هل هذه هي البقايا؟

وإلى أين أمضي بهذه الأحمال الرقيقة

في طرقات يتنافس فرسان الظلام

على إدخالها في ثقب إبرة؟

الليل وحده يعرف كم كنت وحيداً

وها هو يمشي بعيداً عنّي

بخطى الهاربين من الجدال

لا وقت تضيعُه المجرة في مناوشات المعطوبين

والحالمين

ستشرق الشمس مرة

أخرى في وقتها

على نافذة

بقيت مفتوحة

بعد سقوط المُحارب الأبكم.