تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٢٧٥ بيت

المتفرقات

الحَجر وحده

يعرف عبء الساعات التي تمر

دون أن تجعله يشك

أْو تُنْقذ شيئاً مِنً الأبدية.

هُناك في هذا المَشْهد البركاني

شيء يحتاج إلى تعديل بسيط

ليصبح للكلمات

شكل حمم يزحف على الخليقة.

والشيء لا يعرف أحَدٌ

ما إذا كان حجراً

لفظته النيران

أو شظية من كوكب قديم

والساعات تنصب بعقاربها فخاً للحجر

والحجر عصفور حذر لاَ يسقط في الفخ

ويَرَى الجبل يلفظ أحشاءه

ويراه أصغر منه

ربما يجرفُه في زفرة واحدة

ولكنه أصغر منه

وأبطأ كثيراً في فهم العالم

ولا يعرف عِبْءَ الساعات التي تمرّ

وتترك خلفها أحجاراً عَسَلية

كفواكه جافة

خرجت من أحشاء الصيف.

هذا هو اللَّيْل

أي

المدينة تشعُل مصابيحها على الإسفلت

والموانئ تشرب وحيدة

وتنام في خوف المبحرين

هذا هو ليل الفرصة الضائعة

والجذل الذي

من شقاء الخاسرين

العربات التي ترش أضواءها

على الموتى

تروحُ وتجئ

بطيئة ليتأكد أصحابها

أنه لا يوجد شخص يعرفونه بين الضحايا

وحتى لو تأكدوا من وجود أحد

فإنهم لن يتوقفوا.

المساء ما يزال طويلاً

والْمَسافَة بين الضوء والخوف

ما تزال شاسعة

والليل ليس ليلاً..

إنه حطب دامس

تلمع فيه عيون الضواري

وتمنح فيه نمور قلقة

حريرها

للعائدين من الحرب.

تأسرني الأشياء

عندما أخسر الحرب

أقصد

كل هذا المتاع الذي أقف به

على قارعة الطريق

وفيه كتب متربة

ومدن منسية

وشوارع وأصوات

وأوتار مبحوحة.

أي انتصار سخيف أردت كسبَه

من حرب غير متكافئة.

وأين يكمن العدو؟

أين تمضي الفلول التي تعوزها شهوة القتل؟

وأين نضع السلاح الذي غنمناه دون رغبة

وأصبح يعوق عودتنا من الجبهة؟

تأسرني الأشياء التي اقتسمت مَعِي.

محنة العداوة

أراها مبعثرة حول أَسِرَّتي

كعلب فارغة

أمشي بينها

كما يمشي الناجون من الزلازل

بلا رغبة في اسْتِعادة أي شيء

سِوى تلك السكينة التي سبقت القيامة.

أرَاها في انتمائها العميق إلى وجودي

إنها ملابسي

وأوراقي

وصوري

ومنحوتاتي

التي انتزعتها من ثمن السندويتش

أثناء أسفاري الشحِيحة

كل هذه الأشياء لها اسمي وملامحي

ولي ورطتها أَن تكون لي،

وليس لشخص يَذْهب سَعيداً إلى المقصلة.

هي الآن تعرف، من مشيتي

أنني مقبل عَلَى ارتكاب خِيانة مَّا

أَو موشك على رحيل يبتُرُها مِنِّي

وتجزع كثيراً

تخاف من عبور مفازة اللاَّإسم

واللاَّملامح..

ومن الذهاب في عربات الأشياء الضائعة

ومن الوقوع في براثن البدء من الصفر

أتأمل هلعها

وأُقدّر أن الاندثار هو طريقتها في البكاء

طريقتها في استئناف المسير بدوني

في حرب غير متكافئة

بين عبوري وبقائها..

هنا

في ضفة القوارب المحروقة.

أسمعه قريباً

ذلك السيل

الذي يدنو

كأنه أحصنة مُروَّعة.

منذ زمن بعيد أسمعه

كما لو كنت أسمع البدايات التي أنبتت الجبال

والضفاف والحجارة

كلما امتلأت روحي بخواء المسافات

سمعت الهدير قادماً

فقلت إن الخرائط كلها ستموت حتما

بما فيها خرائط الحيرة التي أذرعها

جيئة وذهابا بانتظار موت المتاهة

وستبزغ ملامح طرية

من الطوفان الجديد.

غير أن الهدير وحده يدنو

وليس الماء

وَلاَ الفورة الهائجة التي تقتلع الأشجار

والأمكنة

يصل الهدير وحدهُ ممتلئاً بأجنحة الموتى

يَدُسّ زرقة السماء في جيوب معطفه

ويغرس خطوه كجسور معلقة

بين السماء والأرض.

أحياناً

أسمع ترجيعاً شبيهاً

بلوعة سوبرانو

تنفصل عن الهدير

وتُحلِّق قريباً من أغصاني الطافية

أسمع الصوت

وامتداده الأعمى

أسمع سقوط الورقة الوحيدة

التي بقيت في شجرة الحياة.

وعند ذلك أقول لنفسي

لاَ أحد يسمع ما أسمعه!

أنا الذي اختارته المجرة

لاستقبال نشيدها الأبدي

إنني مقبل على مملكة الصمت العظيمة

ممتلئاً بقُدَّاسَاتٍ عارمة

ومشتبكاً بالسيول

التي تنهض من الحجارة

كلما اقتربتُ من صوت الماء

هبّت للقائي أشجار دفلى

وثعالب مذعورة

وعصافير مَرحة.

أتوقع عندئذ أن تتبقى

لي من هذا التوتر

قشعريرة أعبر بها

جِسْر الرذاذ

هنا، يتوقف الجَبَلُ

عن أن يكون

جبلاً

يجلس منهكا إلى النبع الذي

يغسل قدميه..

ويتأمل طرقات بَذرتها تحت قدمي

ثم صارت نسيجاً واهياً

من الأسفار المجهضة

أتذكر الشجرة الأولى التي وقفت في طريقي

كانت نحيفة، كثيفة، غامضة

كأنها شجرة القصائد المحرّمة

تلك التي يأكل منها الشعراء الملاعين

لِيَتَحَوَّلُوا إلى عَصَافير بلا أجنحة

أتذكر الأعشاب التي أرضعتني لبن الفتنة

وضفرت شعري بأزهارها الفاقعة.

لا شيء كان سيمنعني من البقاء هناك

لكنّ الخطى لم تكن خطاي

سمعت الصوت يصعد من المشي

أو من الممشى

أو من شذى جَسد يحترق

ثم رأيت الجبل ينفصل عنّي

كأنَّه يبتر من نفسه حجراً

ويحلق خفيفاً نحو الأعالي.

هل كانت القرية في ضاحية منسية

أم في سفح جبل مضاء بأشجاره المغسولة.

هل كان الوقت غروباً

أم غسقاً ملتبساً

وهل كنت أشرب هواءً بارداً

عندما مشيت في حديقة وَضَعْتهَا تحت قدمي

وأنشأتِ فيها ساقية ونشيداً

يمجد انبثاق الشمس

من عودتنا إلى السرير؟

أسأل نفسي

عندما يباغتني نبيذ تلك الليلة البعيدة

هل كان عبوراً

ذلك الشذى المحروق

لأعشاب الفجر

ومن كان يمشي على الجسر

عارياً

وشعره في الريح

أنتِ أم شجر الحور

أم ورقة بيضاء

هربت من كلماتي؟

مَا أخف تلك الورقة!

أراها متحررة من لغة ثقيلة تتربص بها

ترقص بين الأشجار

كأنها تدعوني

للتخلص من كل أبجدية

عندما أراك منحوتة في الإفاقة الأولى

ترفضين الخروج من قطن اللحظات

التي ماتت لتوها

كنت سأكتب عندئذ:

«إِنك تشبهين المرأة الزرقاء في لوحة بيكاسو»

ثم انتبهت إلى أثوابك الصغيرة

مبعثرة

وإلى الفراغ الأبيض الذي تركه جسدي

وقلت إنها زرقة بحر يغمرنا

ليس أنت، وَلاَ جذل الإضاءة

إنها مسافة أخرى تولد

في ذهول الإفاقة

مسافة الأبواب التي ستقفل على قصة قديمة

ومسافة الصمت الذي يشرب الطريق

في جرعات صغيرة متوترة

ومسافة الحجر الذي يبني جملاً طائشة

للهروب من البكاء.

عندمَا أتهيأ للعودة من عطشي

ألمح سراباً كثيراً حول مقلتيك

لأنّ الصحراء التي نبتت من بَتْرٍ ساذج

سرعان مَا استعادت سلطتها عَلى

البلاغة

فلا الماء جملة أولى

وَلاَ المرايا منابع بكماء

وَلاَ التيه مجاز للإقامة.

يزحف الرمل كما يزحف نداء مبحوح

ليوقظ الزواحف من بياتها

ويبذرها في الهواجر المصفاة

إلا مِن شظايا سقطت من القصائد

كما تسقط بقايا

كواكب ميتة

هذه سبيلي..

أغتاظ أحياناً لكلّ هذا الخطو الذي ضيعته

في رحلة ميتة

ولكنها سبيلي

سأمشي فيها باستماتة قاتل يهرب من المطاردة

سأمشي كما تعلمتُ

بقدمين من طين نيء

تتركان خلفهما

كل تشققات العالم

فإذا وصلت إلى الحائط الكبير

حيث تنمو للحجارة رُموش خضراء

فسأقدم منتشياً على حماقتي الأولى

وحيداً

وجها لوجه

مع الحائط الذي يفهمني.

البحر وضعني هنا

حيث أنا

في القناعات الصغيرة

في الخوف من الماء

في نصف ابتسامة

تعبر المحيط

في الشراع الذي أخذته العاصفة

كلّما مشيت معه أحلم أنني

أقود حصاناً مرناً إلى المراعي

أحس لهاثه قريباً

يكاد يلفح كَتِفِي

وأسمع نبضه

يصفف أَمواجاً مالحة

كأنه يضعها لَآلِئَ دمع على وجنة الأرض.

ثم فجأة يصبح الحصان أبدية بيضاء

تَتْبَعُني

أنا العابر المقيم

في روح عابرة

سنذهب إلى ما تبقّى من مراكب المغامرين

وإلى الأراضي التي لم تَلِدْهَا البراكين بعد

سنذهب إلى معابر الغرباء

حيث تهجع بواخر الإنقاذ

جنباً إلى جنب مع أرواح الغرقى

سنذهب إلى المرافئ التي سقطت

في حروب المواقع

وربما انتظرنا طويلاً في طوابير يفترسها الشك

قبل أن يمرّ أحَدُنَا

إلى حُلْكَةٍ الآخر.

ثم ماذا سيبقى لنا

عندما يحين وقت الفصل

من سَيَتَولى أَمْرَ هذه الشساعة

التي بعضها كلمات

وبعضها ملح أجاج

من سيخرج الحصان مرة أخرى في نزهة عابرة.

ها أنا أجلس إلى الزبد

الذي تخلّف عن مدّ البارحة

هو أيضاً وضعه البحر هنا

حيث يقضي آخر لحظاته

قطرة عدم صافية.