يا ناشدَ الوصل خذْ وصفَ الطريق له
وجِدَّ فيها عسى تدنو من الحكمِ
أمسكْ فؤادك إلاّ عن تَذكُّرِه
وبيتَك الزمْ وجُدْ بالدّمع مثْلَ دم
واعزمْ وذلَّ وصلْ فيه وبتَّ وتُبْ
واسمحْ ولِنْ واستَعِنْ واستهْدِ واستَقِم
واسهرْ وجُعْ واعتزلْ واصمُت ورَجِّ وخَفْ
واذكرْ وفكِّر وراقب واسْمُ واحتَشِم
وخلِّ نفسَك واصدقْ في مُعاملةٍ
وارحلْ اليه تَنَلْ خيرًا وتغتَنِم
وخلِّ همَّك وجهَ الله منفردًا
تُكْفَ الهمومَ وتبلغْ قمَّةَ القِمم
واعبدْه بالعلم والإخلاص إنهما
روحُ العبادة من فعلٍ ومن كَلِم
وفيه جاهدْ تشاهدْ ما أعدَّ لمن
في الله قد جاهدوا مِنْ فضْل ربِّهِم
وخالفِ النفْسَ، واحذرْ مَكْرَها أبدًا
فقد تدُسُّ وُحَيَّ السّمِّ في الدسّم
وأعطِها حظَّها المشروعَ تَقْوَ بِهِ
على المسير وإن تَحْسِمْه تنحسِم
وصُمْ عن الكون حُبّاً في مُكوِّنه
واستغْفرَنْه وفي مشروعه أقِم
واقطعْ نهارَك بالتّقوى وقمْ سَحَرًا
فكم لربّك في الأسحار من كَرَم
نادى وقد نزل الدّنيا بلا شَبَهٍ
سبحانه عن صِفاتِ الخَلْق كلِّهِم
يا راغبًا نِعَمي يا راهبًا نِقَمِي
يا سائلاً كرَمي ينهلُّ كالدِّيَم
إليَّ وَلِّ وعن غيري تَولَّ وكنْ
عبدي أُصَيِّرْ لك الدنيا من الخَدَم
يا أكملَ الخَلْقِ من كلِّ العقول إذا
له أُضيفتْ غدتْ في غايةِ العَدَم
لو لم يكن منك إلا أنْ نظمتَهُمُ
بعد التفرُّق نظمَ الخطِّ بالقلَم
فشَدَّ بعضُهمُ بعضًا فلو وقعتْ
شَكاةُ بعضٍ شكا كُلٌّ من الألم
وكم مشاكلَ جَلاّها، وكم عُقَدٍ
بحِجْره حَلَّ بل كم فكَّ من إِزَم
ولو مشَى العصرُ في منهاجه لرأى
حلَّ المشاكل ميسورًا بغير دم
وعَمَّه نورُ عدلِ السّلْم فانقشعث
غياهبُ الحرب والإجحاف والظّلم
راموا رَداكَ وقد كانوا عِداك ومذ
شاموا هُداك وما فيه من الكرم
عاد العَداءُ وِدادًا والشتائم أم
داحًا وقسوتهم أسنى مدى الرأم
وزايلوا وطنًا بل فارقوا سكنًا
بل قارفوا مِحَنًا أرْبَتْ على الضّرم
وقاتلوا والدًا فيه، ومَنْ ولدوا
ونفسَه قد فدَوْا بالنّفس والحَشَم
لولا سهولتُه، لولا مرونتُه
لولا مروءتُه ذا الدين لم يَقُم
أعظمْ بهمَّته، أشرفْ بذمَّته
أكرِمْ بقيمته في الحِلْم كالعلم
فكم مُسيءٍ بحُسن الصّفْح قابلَه
وكم عَبوسٍ أراه بِشْرَ مُبتسِم
اُنظرْ روائعَه، انظرْ بدائعَه
انظرْ جوامعَه دُرِّيَّةَ الكلِم
نُهاه فاق فبَذَّ الخلْقَ واتّسعتْ
أخلاقُه لبني الغَبْراء كلِّهم
واللّين في الأيد في حزم يُفيدُ قُوًى
لا تُستفاد بجَمِّ الجُندِ والخدَم
وما تَساوى الذي للنّصر تُرغِمُه
بمَنْ لنصرك إجلالاً على قَدَم