هذا الصبا قبضة الأزكى من الرند
يقيّد الأنف قبل الأخذ والرد
يشمُّ فيه خيال طيّيب لَجِبٌ
ما إنْ يُنال بفكر الشاعر المجدي
ونشره عبَق التاريخ عن كَثَبٍ
به تُلامس ملْك الروم والهند
إذا يضوع تراءى الكون في قُشُبِ
فيَستثير إلى الإتقان والكدّ
حتى ترى صانع الأفراح يَجبُلها
بالمستحيل من التشويق والشدّ
وتُبصِرَ الشدوة الأحلى مذلَّلةً
يقال فيها مثيل الجوهر الفرد
ألم يكنْ للصبا رقص يجسده
في صورة العشب أو في صورة الورد
ألم يكنْ كله بالناي ملتبسا
كأنّ لحْنهما سلطان ذي العقد
وكنت فيه وصحبي راكضين إلى
شكل الحياة بما أضحى لنا يهدي
أما أهاج مرادا في ضمائرنا
حتى أصبنا عديم الشيء بالرصد
وكلُّ أمنية نلنا نصيِّرها
كأس الوصال وما ييقى من العهد
ولا نعيش سوى المطلوب من تحف
فبعض أيامنا تمثال ذي مجد
والبعض منحوتة الأملاك من يَمَنٍ
والبعض منقوشة من موطن الصُّغْد
ونحن عند الصبا نحشو الثرى شغَفاً
ذا دافع دفعه أقوى من النقْد
وقد زرعنا بتلك الأرض أسئلةً
وإنّ كلَّ جواب أنبل القصد
حتى أطلَّ سؤال حلّه ترف
ولا يجيب سوى مستفرغ الجهد
أجبت عنه وأصحابي بلا كلف
وإنّه لوجود الحسن في قرد
أما يعدّ الصبا فتْحا بلا قضُبٍ
بل بالغرام وما يخفيه أو يبدي
ألم يكنْ بطريف القول منسكبا
كيما يَجرَّ أُصَيْحابي إلى الجدّ
فجرّني وأصيحابي إلى بَلَدِ
نَسْتَكْنِه العلم من جنيّة الطود
حيث البحار وحيث الناس من عَجَبٍ
ولا وصول بغي المارد المكدي
إنّا خدعناه بالتلوين في الجلْد
لولا البياض لَمَا أجدى بِمُسْوَدِّ
وقد أفدْنا اختفاءً لا نكون به
إلا رياحا تزيل الحَرّ بالبرد
أو لا نكون به إلا فيوضَ كرى
في غمرة الأرق المفضي إلى السهد
وهل نصير به إلا نسيم صبا
إذا يعلِّلُ يأبى لوعة الفقد
كم تستقيم جهات الحال في لَعِبٍ
يُفني الملال ولا يخني على الرشد
وكم تمادى الصبا في اللهو أنْبَلِه
حتى غدا حسن الأخلاق كالشهد
كنّا به نجعل الألعاب ذاكرة
تبقي تراث الهوى والقرب والسعد
أما صنعنا بذي الألعاب أغنية
وعندها أطْربتْنا نغمة الكُرْد
وهذه أنْجَبتْ باللحن أحجية
مفادها هل صديق الطفل ذو صدِّ
وكان صحبي لهم وصل نهذّبه
بكلّ لهو يباري مشتهى الود
فإنْ لهونا يرى هذا الصبا فنَنا
إذا يميلُ تَعَالَتْ رِقَّةُ الصلد
وكم متحنا أفانين الرّضى دُرَرا
إلى فراق الصبا الآتي على وعد
فمى مضى عهده إلا وأشمسنا
تنعى الضمير بما يلقى من البعد